Thursday, February 5, 2015

خدوني من هنا

صباح شتوي مقبض - السماء ملبدة بغيوم تشي بقرب غرق الشوارع في مياه الصرف الصحي
يمشي رجل في الأربعينات من عمره مشية غير مستقيمة لما يبدو اصابة قديمة في قدمه اليسري , يرتدي جاكت يبدو عليه القِِدم والتآكل ويحمل في يده كيس بلاستيك اسود يبدو مليئًا بسائل ما

يمر بين جنود الحراسة الذين رغم تأهبهم والارهاق البادي على ملامحهم لطول الوقوف واستمرار القلق لا يعيرونه اهتمام , حتى يشك الناظر أنهم لا يرونه أو أنه واحد منهم

أقترب الرجل من السور الذي يرتفع عليه العلم الأوروبي عاليًا ووقف مواجهًا لكاميرا الحراسة ونظر لها نظرة عجيبة تجمع بين الألم والأمل والغضب ثم أخرج من جيب الجاكت ورقة مطوية في جيبه وفردها ثم رفعها في مواجهة الكاميرا

"خدوني من هنا" كُتب على الورقة بقلم فحم , انتبه الحراس فجأة بعد مكالمة ساخطة شخطت في الضابط المسئول عنهم والذي كان يجلس داخل الكشك المحمي بأكياس الرمال , قفز الضابط واقفًا وصرخ في جنوده , "هاتولي ابن العبيطة ده"

أرتبك الجنود ولكن لم يتحرك أحدهم من مكانه , كان الرجل قد أفرغ الكيس الذي يحمله فوق ملابسه وبدا من الرائحة النفاذة أنه نوع ردئ من أنواع الوقود التي لم تعد متوفرة في محطات الوقود من فترة طويلة , استشاط الضابط غضبًا وخرج من الكشك صارخًا في جنوده وملوحًا بمدفعه العوزي القصير فقط لتصيبه طلقة قناص في قلبه مباشرة

جحظت عيناه للحظة غير مصدق وسقط المدفع القصير من يده ثم سقط هو نفسه دون صوت

لم يبد على الجنود الانفعال في الحقيقة , فقط نظروا لبعضهم نظرة تحمل الكثير من المعاني ثم تركوا أسلحتهم على الأرض وتقدموا نحو الرجل الذي ملأ السائل ملابسه ولم يبد عليه أنه سمع صوت الضابط غاضبًا أو مقتولًا , فقط ظل يرفع الورقة في مواجهة الكاميرا دون أن يتحرك من مكانه

تقدم الجنود نحو الرجل ثم وقفوا صفًا خلفه مثلما يفعل المسلمون في الصلاة , أخرج كل منهم ورقة من جيبه ورفعها في مواجهة الكاميرا بيد بينما مسك كل منهم قنبلة يدوية باليد الأخرى

كان المشهد عجيبًا أمام المارة القليلون الذين مروا في ذلك الوقت - أفلت طفل صغير من يد والدته ليجري نحو الضابط القتيل ويأخذ قبعته العسكرية , جرى مشرد آخر نحو الجثة وسرق الحذاء بينما قفز مراهق فوق الحاجز حاملًا في يده المدفع العوزي , في لحظات تم تقليب الجثة وتُركت عارية إلا من بقعة دم كبيرة , ولم يحرك الجنود أثناء كل ذلك ساكنًا

أنتبه المارة المتجمعين للمنظر العجيب أمام سور السفارة , يقف الرجل ذو الجاكت المتآكل رافعًا ورقته ويقف خلفه صف من الجنود دون سلاحهم , فقط يرفعون ورقات مشابهة لورقة الرجل الأعرج المشعث ويحملون في أياديهم قنابل يدوية فيما يبدو استعداد لتفجيرها في أنفسهم

تقدم أحد الشباب منهم وبدا على وجهه امارات فقر التغذية الشديد ثم وقف بجانب أول جندي في الصف وأخرج من ملابسه ورقة أخرى كتب عليها مثلما كتب على الورقة الأولى "خدوني من هنا"

سرعان ما انتبه الناس لما يحدث وفي دقائق معدودة وقبل وصول وحدات التأمين من الجهة المقابلة للسفارة كان المكان قد أمتلأ بالواقفين أمام الكاميرا . بعضهم كتب على ملابسه وبعضهم استخدم قماش من بواقي اعلانات الانتخابات الأخيرة والبعض لم يفعل إلا الجلوس بجانب الجنود ناظرًا للكاميرا في ذهول


لم يمر وقت طويل حتى أمطرت السماء وأظلمت وما ان انقشعت الغيوم حتى كان المشهد خاليًا تمامًا من البشر , حتى جثة الضابط أختفت ولم يتبقى في المكان سوى بقعة دم بجانب باب كشك الحرس وبقايا وقود ردئ على الأرض أمام الكاميرا وعلم اوروبا وقد غسلته الأمطار
Post a Comment