Saturday, September 22, 2012

ثنائيات العقل


معنديش أزمة في الإعتراف بالهوية الإسلامية لأغلبية الشعب المصري ،لكن الشعب مينفعش يبقى عنده أزمة في الإعتراف بالهويات المستقلة لأفراده لإنه لا يمكن اختزال الموضوع في ثنائيات مع او ضد.

الإعتماد فقط على الثنائيات يعطل العقل عن التفكير والأصل أنها توضع لتبسيط الواقع لا اختزاله، حيث لا يمكن تقسيم العالم بكل تعقيداته وتغيراته وتحولاته إلى قسمين أيا كانوا

العقل البشري بيتعامل مع الواقع عن طريق خلق نماذج مبسطة للفهم والأزمات بتحصل بعد كدة لما العقل البشري يتمسك بالنماذج الللي خلقها ويفرض صحتها وكمالها على الواقع اللي بيتغير وبيتشكل بأشكال مختلفة طول الوقت

من ضمن النماذج العقلية شائعة الإستخدام نموذج الفسطاطين أو القسمين ، العقل البدائي بيخلق نموذج يقسم العالم لقسمين عشان يقدر يميز ويتعامل مع كل قسم فيهم بشكل متمايز عن التاني

مثلا بيقسم الناس لكفار ومؤمنين، الطيبين والأشرار، المثقفين والعامة, العلماني والاسلامي، الرأسمالي والإشتراكي, اللي معانا واللي ضدنا،، كل دي نماذج أولية لايمكن الاعتماد عليها لوحدها في فهم الواقع لكن في نفس الوقت ضرورية للتمييز بشكل مبدئي



العقول البسيطة اللي بتعتمد بالكلية على النماذج الثنائية في فهم الواقع لما بتتعامل مع الواقع بكل تعقيداته بتفشل في فهمه وبتفشل في التصرف بشكل مناسب , المتطرفين عموما عقولهم بسيطة وأحادية التفكير لإن المتطرف بطبيعته  بيقسم كل الناس لناس كويسين وناس وحشين ، مش بيحط في اعتباره الإختلافات والتباينات والمناطق الرمادية بين التضادات

ولما القاضي في مسرحية شاهد مشافش حاجة قال أنا مش بحب اللون الرمادي ... يا أبيض يا أسود هو في الحقيقة كان بيطلب من سرحان عبد البصير أنه ياخد موقف أكثر وضوحاً من الحياة .. وهو استمع للنصيحة وأخد موقف أكثر حدة وممكن نقول أكثر تطرفاً

عقل الإنسان في بداية تكوينه بيقسم الناس لأبيض وأسود عشان يسهل فهمهم , أهل النار وأهل الجنة, بعد كدة لما بيكبر شوية بيلاقي ان التقسيم ده مش كافي لوحده ويبتدي يقسمهم لأقسام تانية .. يبتدي يقسم أهل النار لدرجات وأهل الجنة لدرجات، بعد كدة يلاقي التقسيم ده برده مش كافي فيبتدي يحط ناس في النص لا من أهل النار بدرجاتها ولا من أهل الجنة بدرجاتها ولما بيكبر أكتر بيلاقي ناس برده برة التصنيف , بيكتشف ان فيه ناس لاهي في الجنة ولا في النار ولا في النص, فبيعجز عن تصنيفهم وبيعلن غالبا عجزه عن تصنيفهم وبيسيب الموضوع لربنا

برة المثال الديني حنلاقي أن كلما تعقدت أفكار شخص كلما بقى أصعب على الأبسط منه في التصنيف ,, الشخص اليساري المتدين صعب على اللي متعودين على أن اليساري لازم يكون ضد الدين يفهموه , نفس الكلام على السلفي العلماني على غرار سلفيون كوستا ,, السلفي العلماني نموذج معقد غير مفهوم بالنسبة للتصنيفات المباشرة البسيطة

سهل على أصحاب المواقف والعقول المعقدة فهم العقول والمواقف الأبسط لإنهم لازم يكونوا مروا عليها بشكل ما في رحلة تطورهم الفكري بينما بيكون صعب على أصحاب العقول البسيطة فهم العقول الأكثر منهم تعقيدا زى ما بيصعب على الطفل فهم طريقة تفكير الأكبر منه.

برغم كل ذلك يظل للطفولة وللتبسيط سحر خاص ويظل للاجابات السطحية الساذجة شعبيتها ويظل أيضاً للأفكار المقعدة رونقها وأناقتها ... فقط أحذر من التبسيط المخل الذي يحجب عن العقل الأفكار الأكثر عمقا وأحذر من التعقيد المبالغ فيه والذي يمنع نقل الأفكار وشرحها للآخرين ويشغل العقل بما لا يحتاج إليه من تفاصيل
Post a Comment