Thursday, March 1, 2012

بين أرض الواقع والفضاء التنظيري

في السطور القادمة يروي شخصا ما قصة ذلك السياسي الذي نزل من الفضاء التنظيري إلى أرض الواقع وكيف أقترب وأبتعد مرات عدة

كلما ابتعدت عن الناس\الجماهير كلما فقدت روح الديمقراطية واصبحت اكثر تطرفا\نخبوية\انعزال\عدائية

هي دائرة مغلقة إن دخلتها يصعب عليك الخروج منها .. فكلما ابتعدت عن الناس\الواقع كلما أصبحت أطروحاتك غير مفهومة بالنسبة لهم

وكلما صار عدد من يفهمون أقل كلما قلت نسبة نجاحك في اقناعهم بموقفك - وهذا له سحره لإنه يجعلك تحلق في الفراغ الفكري\التنظيري بحرية

كلما حلقت بعيدا بخيالك في عالم الفكر\الأيديولوجيا كلما قل عدد من يتبعونك وبالتالي قلت مسئولياتك تجاههم .. ان تتحدث دون مسئولية لهي لذة تعادل لذة الادمان وألمه

أن تبتعد عن أرض الواقع وتحلق في الفضاء دون مسئوليات - ودون نجاح أيضا - ذلك التحليق الحر المغري للكثيرين حتى أنهم قد يدمنون الحرية الجالبة للفشل

إذا مانادتك نداهة اليوتوبيا فأنت تدمنها وتدمن الفشل اللازم المرتبط بها .. نجاحك ولو بالخطأ يترتب عليه مسئوليات عدة .. لذلك فالفشل أضمن وألذ .. اليوتوبيا تعني النقاء والنقاء ليس من صفات عالمنا .. عش في اليوتوبيا خارج عالمنا

على العكس من ذلك.. اقترابك من الناس يعطيك لذة أخرى - لذة النجاح والتفوق .. كلما أقتربت منهم كلما أرتبطت بهم أكثر وزاد إحساسك بالمسئولية تجاههم .. ذلك ما يدعوه المسئولية السياسية

كلما أقتربت من الجماهير\الناس كلما حاولت أن تكون مفهوما لهم أكثر .. تستمر في تقديم التنازلات عن أجنحتك الأيديولوجية وتهبط لأرض الواقع

تجد نفسك وجها لوجه أمام عدوك القديم .. كلاكما في حقيقة الأمر يقول الشئ ذاته ولكن من وجه المرآة الآخر

يظل ذلك المحلق في دخان الأيدويلوجيا النظرية يتهمك من عليائه بالتخاذل وقبول الحلول الوسط بينما هو يصغر في عينك ويبتعد

ذلك العدو الذي كنت تراه على طرف المرآة الآخر يمد يده إليك أو تمد يدك إليه وكلاكما مرتاب في الآخر - كل يمد يده من خلف المرآة تقترب قليلا أو تبتعد

يشتمك ذلك الشيوعي\السلفي\الليبرتاري\المتطرف المحلق في سماء الخيال بأقذع الألفاظ لإنك تنازلت وأقتربت من أرض الواقع .. أنت في الحقيقة تكشف زيف خيالاته لذلك يسبك

أنت في الحقيقة تكشف زيف خيالاته لذلك يسبك .. لقد صرت أكثر تطورا لأنك أكثر قربا من مطالب الناس بينما هو محروم من التواجد على أرض الواقع

أنت الآن اشتراكي ديمقراطي تعتز بماضيك الثوري كوائل خليل أو ليبرالي اجتماعي كنت من أشد المدافعين عن الليبرالية الكلاسيكية المنتهية من الوجود أو اسلامي معتدل يراك ذلك السلفي مفرط مبتعد عن صحيح الدين - الدين كما يظن أن المائكة تمارسه بين الغيوم

الحقيقة أن اختلافك مع الآخرين اللذين رأيتهم يوما ما - يوم كنت مراهقا غرا ساذجا مبتدئا - أعداء , يتلاشى بالتدريج وتكتشف أن هناك مساحات أكبر وأعمق للتفاهم

تنظر بشفقة على ذلك المتعصب الغاضب دوما سلفي كان أم شيوعي أم ليبرتاري .. فلم يعد في العمر بقية لتلك الكوميديا النظرية التنظيرية ,, صحيح ان المتعصب في الطرف الآخر من المرآة يخيفك ... يخيفك حتى من الذي يمد يده إليك لكنك تتذكر أن الشجاعة تكمن في التغلب على الخوف والقبول بالمختلف

الشبح الغاضب في السماء يتحدث عن ثورة لم تكتمل بعد ودين لم يفرض سطوته على العالم بعد وشيوعية لم تنتصر بعد وعن سوق لم يتحرر بعد . وانت ترى ذلك محض أحلام

الثورة لم تكن هدفا بذاتها والدين ليس أعلى من البشر وكل النظريات الإقتصادية لا تساوي نظرة انكسار في عين طفل لايجد قوت يومه .. الواقع يناديك فإما أقتربت واما احترقت

الواقع أشد إيلاما من أوهام التطرف وأشد قسوة من اختلافات عقائدية كلما نضجت رأيتها أكثر سخفا وحماقة ... ولكن أن تغير شيئا ولو قليلا في الواقع يملؤك بنشوة لم ولن يحصل عليها ذلك التافه المشغول بنظرياته فوق كوكبه البعيد

سيتهمونك من عليائهم بالتفريط وغالبا لن ترد لإنك ترى أن الواقع أصعب وأقسى من أن يترك لك رفاهية الرد على التنظير بالتنظير

انها الحرب أتت .. فإما أنتصرت أو أنهزمت .. أولئك المحلقين في خيالاتهم ليسوا من ذلك العالم حتى يسألون عنه .. انهم في خيالاتهم يعمهون

تتحدث عن وطن يجمع الجميع فيشترط عليك أهل الفضاء ألا يتساوى فيه أهل الجنة بأهل النار .. ولعمري أكاد أرى في عينيك حيرة أيهما في الجنة وأيهما في النار

تتحدث عن أن لكل مرحلة أساليب عملها فيصرخ في وجهك طفلا في الثالثة عشر من عمره أن لا  مكان للمتخاذلين! .. اللعنة على السذاجة .. تقولها في سرك مبتسما فقد كنت يوما ما مثله ولابد له من نضج يوما ما

يخبرونك ألا مجال للتعاون مع الأعداء النظريين حتى ولو أنتصر علينا أعدائنا العمليين الموجودين في الواقع . تكاد لا تصدق أن يقول ذلك رفيق كفاح

نصيحتي لك : أستمر في عيش الواقع بكل مافيه من آلام حقيقية .. لن تصلح النظريات السياسية جيبك المثقوب ولكن يدك ستفعل

نصيحتي لك : ذلك العداء النظري ماهو الا عداءاً نظرياً . فقد انتهى زمن الأيديولوجيات او يكاد

نصيحتي لك إذا ما رأيت ذلك الرجل الذقن ممتطيا تنينا قبيحا مجنحا مهددا ومتوعدا بقتلك فلا تهتم فذلك التنين يوجد فقط في سماء الأيديولوجيا البعيدة ذلك التنين الذي يمتطيه الرجل الذقن وينفث النار هو تنين صنعه خياله وخيالك .. هو يتمناه وأنت تخشاه لكنه لم يوجد قط.. يراه تنين الحق وتراه تنين الارهاب .. لكنه غير موجود الا في الخيال

نصيحتي لك إذا ما رأيت فارس التنين المجنح أن تنظر في الميدان فتجد بجانبك أخاه الذي هبط من السماء ليكون عونك على أرض الواقع ضد الظلم

نصيحتي لك : إذا ماضايقك رذاذ صراخ المتطرفون المتساقط عليك من سماء اللاعقل فلا تلتفت لأعلى ,, أنظر إلى داخلك وإلى عمل يديك وأخوتك .. كم بئرا حفرت وكم حائط شيدت .. لا تلتفت فتهلك فالوطن لم يعد يحتمل مثل تلك الترهات
Post a Comment