Friday, November 2, 2012

الوهم الإسلامي الجديد - قراءة في مصطلحات المرحلة


بعد تأكد الاسلاميين المخضرمين – العاملين بالمجال السياسي منذ مدة طويلة وليس أولئك المنضمين حديثا - من فشل فكرة جعل تطبيق الشريعة هي المشروع الجامع أو النهضوي للمجتمع ظهر اتجاهين متباينين

الاتجاه الأول هو الخروج من مركب الاسلام السياسي الغارقة - وهو اتجاه أبوالفتوح وغيره الكثير – والذي انقسم بدوره إلى تيارين أعلن أحدهما تخليه بالكامل عن شعار "تطبيق الشريعة" وقال بكل وضوح أنها مطبقة بالفعل وأن مجتمعنا لا يحتاج لمزايدات بذلك الخصوص وان ظل يحتفظ بإحترامه للشريعة وإيمانه بالدين بشكل عام بينما قال التيار الآخر أنه رغم أن تطبيق الشريعة أمر واجب فإن تحقيق شروطها من بناء الدولة العادلة وتحقيق الأمن والرخاء هو الأولى في هذه المرحلة – وهي المرحلة التي يعترف ضمنا بأنها لا نهائية وهنا تظهر بقوة مصطلحات مثل "العلمانية الجزئية" و"المابعد اسلاموية" و"الاسلام الحضاري".

هنا لاحظ أنني لا أسعى لسرد الأسباب الجزئية أو المرحلية لظهور كل تيار أو مدى تأثيره فالأمر يبدو شديد الإرتباط بالتجربة الشخصية لكل فرد مر أو يمر بهذه التجربة والتي لا تؤدي بالضرورة للتخلي الكامل عن الإيمان الشخصي بالنظرية أو بغاياتها النبيلة وإن كان هناك تيار أقل من التيارين السابقين يخلع عنه كل مايمت للنظرية بصلة ويعلن تمرده عليها بل ومهاجمتها دون هوادة


نعود فنقول أن الاتجاه الثاني هو الاتجاه التصعيدي الذي زاد التصاقا بالنظرية الاسلامية وروادها ورموزها ودفاعا عن كل ما يظهر فيها من عوار يتسع أمام الناظرين يوما بعد يوم

ينقسم أيضا الاتجاه التصعيدي إلى تيارات متباينة, أشدها عنفا هو التيار الجهادي الذي عبر عنه أيمن الظواهري بدعوته للثورة على مرسي الذي لم يطبق الشريعة وأصبح في نظره علمانيا كافرا وأشدها طفولية أو براءة هو التيار السلفي الذي يبدو أنه شديد الإيمان بما يقول – فقط – لحداثة تجربته السياسية ولكونه لم يتعرض للانفتاح الثقافي والفكري الذي مر به من شاركوا في الثورة ورأوا بأعينهم أخلاقا انسانية عند غير الاسلاميين أو عند غير المؤمنين أساسا

أولئك الذين رأوا بأعينهم اثناء الثورة أن الأخلاقيات التي تربوا على تمجيدها لا تنبع بالضرورة ممن تربى على التغني بها بل قد تنبع من شخص أبعد ما يكون ظاهريا عنها – صدموا نفس صدمة محمد عبده ورفاعة الطهطاوي من قبل ولكن داخل بلدهم وليس خارجها 

بينما من لم يشارك في الثورة – ولا أعني أحداث الثورة – بل أقصد "روح" الثورة لم يتعرض لتلك الصدمة الأخلاقية والأغلب أنه لن يتعرض لها بعد ذلك فقد أنطفأ ذلك الأتون الملتهب الذي أخرج معادن البشر الحقيقية ليترك خلفه أشخاصا عاديون لهم أخطاؤهم العادية التي تتيح للمتشدق بالأخلاق أن يرى نفسه أفضل منهم

لم يدرك أصحاب التيار التصعيدي الجهادي والسلفي بعد أنه ليس بالامكان أفضل مما كان فيما يختص بقضية "تطبيق الشريعة" فزادوا في مزايداتهم على أصحاب السلطة - الاسلاميين أيضا – ظنا منهم أنهم لا يفعلون مايجب عليهم أن يفعلوه بجدية حقيقية

يظن أصحاب التيار التصعيدي السلفي والجهادي أن الأخوان المسلمين قد باعوا الاسلام وأشتروا به ثمناً قليلاً هو السلطة ولا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا أن العيب ليس في ميوعة الأخوان أو سوء نيتهم بل لأن الهدف المعلن والذي يقاتلون من أجله هو هراء محض

لكن الإسلاميون المخضرمون يدركون المأزق الذي أحاط بهم بع وصولهم للسلطة, يعلم الإسلاميون المخضرمون أن "تطبيق الشريعة" مجرد شعار لا معنى له على أرض الواقع, فإما أن القوانين المكتوبة لا تتعارض مع ما يسمى الشريعة في معظمها وإما أن مالم يطبق منها مثل جريمة قطع يد السارق وجريمة رجم الزاني وجريمة الجلد هي أمور مستحيلة الحدوث في دولة لم ينجح فيها رئيس اسلامي سوى لإنه كان في مواجهة مرشح آخر اجتمع فيه كم ضخم من العيوب كان كفيل بإسقاطه ولو ترشح أمام شارون نفسه

يدرك الإسلاميون المخضرمون أن رئيسهم الإسلامي لم يفوز بأصوات الإسلاميين بل بأصوات غير الإسلاميين الذين وقفوا معه فقط لإن منافسه مجرم عبيط من مجرمين عهد مبارك, بل ولم يفز مرسي بإكتساح وإنما بفارق ضئيل لا يذكر ما يعني أن أكثر من نصف المجتمع –بكثير- ضد مشروعه

أدرك الإسلاميون المخضرمون أن مشروع "تطبيق الشريعة" فقد رونقه ومعناه بل وصار من الأمور المثيرة للرعب لشريحة كبيرة من المسلمين قبل أن يكون مرعبا لغير المسلمين فبدأت تظهر في كتاباتهم على استحياء ظلال لمشروع "اسلامي" قديم جديد يختلف عن مشروع "تطبيق الشريعة" وإن كان يحقق لهم نفس الغطاء الذي حققه من قبل مشروع "تطبيق الشريعة"

بدأت أجد في ردود وكتابات شباب التيار الإسلامي الأخواني تردد للفظة "سايكس بيكو" والتي تترجم فورا لمشروع "إقامة الخلافة" .. وهنا لا أجد أنني قادرا على منع نفسي من الإعجاب بذلك التفكير العبقري الذي خلق مشروعاً وهمياً جديداً يجرنا خلفه قبل حتى أن يرد على انتقادات المعارضين وتساؤلات المؤيدين للمشروع الوهمي السابق "تطبيق الشريعة"

ناهيك عما يحققه الحديث عن "خلافة اسلامية" من غطاء شرعي للعديد من الممارسات القمعية الضرورية لإقامة الخلافة وما يشكله الحديث عن اضطهاد عالمي لأهل الخلافة – يحل محل الحديث عن اضطهاد الدولة لأهل الشريعة - كمخرج من مأزق الاستحقاق الإقتصادي الكارثي للحزب الإسلامي الحاكم

ببساطة رفض غير المنتمين للتيارات الاسلامية مشروع "تطبيق الشريعة" وزايد المتشددون على الأخوان فيما يخصه ثم هناك كارثة انهيار اقتصادي تلوح في الأفق فلم يكن هناك مخرج أكثر حرفية من خطف الأبصار والقلوب لمشروع جديد لا يتعارض مع المشروع السابق ولكن يغطي على حقيقة عدم تحققه

الآن أقولها بوضوح لأصحاب التيار الإسلامي وأعلم أن فيهم عقلاء, لم يعد هناك مزيد من الوقت لتضيعوه في مشاريع وهمية, فهناك آلاف المشاريع الحقيقية التي يتمنى أهل مصر لو بدأتم فيها ليعاونوكم في تحقيقها, لن يقبل منكم أحد بعد الآن حديثا عن مؤامرات خارجية أو داخلية بينما أنتم لا تقومون بالحد الأدنى من المطلوب منكم في قضايا لا مؤامرات فيها ولا يحزنون مثل تنظيف الشوارع وتقليص الفوارق بين الأجور وغيرها الكثير

الآن أنتم - ونحن - في مفترق طرق وعرة قاتلة, فإما عدتم للصواب فتنقذون البلاد بما لديكم من سلطات تمكنكم من اتخاذ قرارات كان يجب أن تحسم منذ اليوم الأول لنجاح مرسي وإما تسقطون ونسقط معكم في مستنقع الانهيار الإقتصادي والاجتماعي, سوف يكون لمصر سقوطاُ مؤقتا حتى تستعيد عافيتها ولكنه سوف يكون سقوطكم الأخير وليس الأول.
Post a Comment