Saturday, July 21, 2007

عن نظرية المؤامرة


للأسف لست من أنصار نظرية المؤامرة ... و أقول للأسف لأن نظرية المؤامرة هى من أعظم النظريات التى أنتجتها العقول البشرية ... وتَعرف أهمية النظريات العلمية من تأثيرها العملى على حياة البشر عامة و الذين يتبعونها و يؤمنون بها خاصة

نظرية المؤامرة هى نظرية بسيطة للغاية - برغم أنها تقوم بمقام أيديولجية كاملة و رغم تأثيرها الجبار - و مع ذلك هى كافية بذاتها - فى وجود البراهين أو عدم وجودها - على تفسير و توضيح و تحليل كل شئ ... فكل شئ هو - بيسر و سهولة - مؤامرة

ننهزم فى الحرب فهى مؤامرة ... ننهزم مرة أخرى فطبعا هى مؤامرة ... ننتصر فهى قطعا مؤامرة - وهنا قد يسأل سائل و كيف ننتصر و تكون مؤامرة أيضا ؟؟

لكن أنصار و مؤرخين المؤامرة فى زماننا الحالى لا يتركوه بدون رد يخرسه تماما ... هم فقط يسألونه (ما دمنا انتصرنا منذ أكثرمن ثلاثين عاما ... فلماذا لم نمحو اسرائيل اذن كما كنا نعد ليل نهار ؟؟؟ لا حظ أنهم هم الذين وعدوا و لكن هذا لا يهم كثيرا) ثم يبتسون تلك الإبتسامة الساخرة المتشفية ... ابتسامة الواثق من صحة كلامه ... ألم نقل لك ؟؟ إنها المؤامرة يا غبى

ليس كل الأشخاص مؤهلين عقليا لينعموا بأن يكونوا من أنصار نظرية المؤامرة ... فهى تطلب منك أشياء محددة بدونها ستكون مثلى أحد المحرومين من جنة النظرية و التطبيق

فأولا : اذا كنت تحب أن ترى نظرية المؤامرة على المستوى العربى فيجب أن تضع فى عقلك الواعى و اللاواعى أننا أفضل و أنقى و أعظم و أطيب شعوب الأرض و أكثرهم عفة و ذكاء و فضيلة ... يجب أن تؤمن تماما أن الطفل المصرى بطبيعته يولد أذكى من أطفال الأرض جميعا ثم تحوله المؤامرة بعد ذلك الى ذلك المسخ الذى يقضى حياته كلها على الهامش بدون أن يفيد أحدا فى الحاضر أو المستقبل ...

اما اذا كنت تحب أن تطبق النظرية على مجالك الشخصى فهى أكثر سهولة ... أنت الأفضل و الأنقى و الأعظم و الأطيب والأشطر و الأكثر ورعا و علما و لكن الآخرون - الوحشين الكخة - يتآمرون عليك طوال الوقت ليحرموك من حقك الطبيعى فى أن تحصل على كل شئ مجانا

يجب - اذا أردت التمتع بجمال المؤامرة - و سأشرح بعد قليل لماذا جمال و ليس علاء - أن تؤمن بأولا ثم يترتب عليها ثانيا ... وهو أننا - كعرب - ما دمنا أذكى من الأمريكيين و اليابانيين و أكثر تحضرا من الأوروبيين و الصينيين وأكثر تدينا و ورعا من الايرانيين و الأتراك و أننا كمصريين أفضل العرب ( وهو الجزء الوحيد الذى اقتنعت به أنا فى النظرية ) ...

اقول ما دمنا كذلك فلابد - ولا تناقش ولا تجادل يا أخ زقلط - أن كل هؤلاء "الرعاع" يتآمرون علينا ...

أرأيت كم هى عملية سهلة و غير معقدة ؟؟ نحن الأفضل -- و لكن - يبدو فى عينك أنك تريد أن تقول أننا فى الواقع أقل منهم فى كل شئ -- اذن يا عزيزى هى مؤامرتهم علينا و ليس قصور منا ... و الله منتهى البساطة والسلاسة

و لكن ... هل فقط روعة و جمال و علاء نظرية المؤامرة فى أنها سهلة و بسيطة ولا تحتاج لمجهود عقلى لفهمها و تفسير كل شئ على أساسها ؟

يابنى استنى ... أنت لسة شفت حاجة !

العظمة الحقيقية فى نظرية المؤامرة ليست - فقط - فى بساطتها و سهولة الإقتناع بها ... بل فى تطبيقاتها العملية أيضا والتى تعد نعمة حقيقية يحقد على المنعمين بها الحمقى من أمثالى ممن حرموا منها

التطبيق العملى أيضا فى منتهى الروعة ... فمادمت آمنت بأن كل شئ يسير وفقا لمؤامرة - كبرى أو صغرى ضد الإسلام او ضد العروبة أو ضد مصر أو ضد الزمالك ... أيوة ضد الزمالك فكما قلت لك من روعتها أنك تطبقها على أى موضوع كبير أم صغير أو ضدك أو ضد أبناءك فى المدرسة عندما يرسبون -

أقول ما دمت آمنت بأن كل شئ يسير وفقا لتلك النظرية المحكمة اذن فقد دخلت جنة الرضا و الهناء .... أبشر يا بن زحلفة فمنذ وقر فى قلبك الإيمان بنظرية المؤامرة فأنت غير مطالب بأى شئ من الآن فصاعدا

لا تجهد نفسك فى البحث عن حلول لمشاكلك الشخصية فهى مؤامرة ضدك ممن حولك و لا تحزن اذا خرجنا من كل بطولة أو مسابقة دولية فهى مؤامرة عالمية ضد سمعة مصر

لا تندهش اذا كنا أغلب الوقت فى قاع الأمم فى جميع الإحصائيات و المؤشرات - عدا تلك الخاصة بالتعذيب - فهى المؤامرة ولا شك

لا تجادل بالقول أننا أحيانا نكسر هذه القاعدة بالعمل و المجهود و نصل الى مراتب عليا فى بعض الأماكن التى نستحقها ... لا تكن أحمق ... أنهم فقط يخدعوننا بذلك حتى يحرمونك من نعمة الإيمان بالنظرية ... نظرية المؤامرة

لا نحتاج - منذ الستينات فصاعدا - الى التخطيط و التنظيم ... فهذا عبث ما دام العالم يتآمر علينا ... كل ما سنحتاج اليه هو أن نذكر أنفسنا طوال الوقت بأننا مستهدفون ... كل ما سنحتاجه هو العند و العند فقط لكى نظل نقاوم محاولتهم الدأوبة للقضاء على قيمنا الشامخة و على وجودنا السامى فى العالم
... شاهد فيلم ليلة سقوط بغداد عندما تصر بسمة على الحصول على طفل و هدفها لم يكن - لا سمح الله - أن يكون طبيبا يكتشف علاجا لداء ما أو يكون صحفى يكشف الفساد أو أى سبب آخر من تلك الأسباب الواهية ... بل دافعها الوحيد للحصول على طفل هو العند ... آه والله العند ... هى ترى أن الأمريكان يتآمرون علينا ويحاولون اقناعنا بأن الحياة سيئة عشان نبطل خلفة و عددنا يقل و لذلك فهى ستحصل على الطفل عندا فيهم

أتذكر كلمة نوارة نجم عندما قالت مرة ( يعنى لو جت أمريكا تقولنا متشربوش مية مجارى يبقى حنلاقى ناس يطلعوا يقولوا لنا لازم نشرب مية مجارى بالعند فى أمريكا) ... يبدو أن نوارة أيضا من المحرومين من نعمة المؤامرة
لا نحتاج للإبتكار أو العلم و لو حتى من أجل المقاومة ... فأصواتنا تكفينا و شتائمنا و سبابنا لأمريكا هو دليل عظمتنا و تفوقنا ... و أولئك الذين لا يؤمنون بالنظرية هم اما مخدوعون أو متآمرون بدورهم

سوف نتركهم ليتآمروا علينا - العالم كله يتآمر علينا - و نقوم نحن بكشف خططهم و مؤامراتهم طوال الوقت ... و طبعا و قطعا لن نفعل أى شئ لإيقاف تلكم المؤامرات لأنها ببساطة مؤامرات لا تنتهى و ليس من واجبنا أن نحاول ايقافها ... واجبنا - فقط - كشفها و التحذير منها ليل نهار

فماذا يفيد مثلا أن نعلم أن أمريكا تريد احتلال العراق قبلها بعشرة أعوام على الأقل ؟؟ هنا لابد من وقفة حاسمة باترة ... لابد أن نكشف المؤامرة الأمريكية فى كل مكان و نسب أمريكا و نعلن أننا لا تنطلى علينا تلك المؤامرة ثم نتركها لتتحقق أمام أعيننا ... و منذ متى يمكن منع المؤامرات ؟

ماذا يفيد مثلا أن نعرف أن التطرف و التعصب و الجهل ينتشر فى كل مكان فى مصر ؟؟
هى مؤامرة على وحدتنا الوطنية كشفناها منذ زمن و ... كفى
يكفى أننا نكشف المؤامرات و بس ولا تظن أنك تستطيع أن تقف أمامها أو تمنعها فحتى لو استطعت ايقاف مؤامرة ما ... فتأكد حتما أن ما فعلته أنت كان جزءا من مؤامرة أكبر محسوبة بدقة لتصل لنتيجة لا تعلمها - أو تعلمها - ولا تستطيع ايقافها

طبعا و لأننى من كبار أو صغار المتآمرين فلا يفوتنى أن أشير الى بعض النماذج المشرقة التى تعمل من أجل النظرية و نشرها ...

فالدكتور جلال أمين من أفضل ممن رسخوا أقدام نظرية المؤامرة على المستوى المصرى ... فالرجل - كما فهمت من القليل الذى قرأته من أعماله - لا يرى فى المصريين أى عيب أو نقيصة .... أنها فقط المؤامرة اللعينة التى تحاول الحط من شأنهم و اظهارهم فى ذلك المظهر الذى يظهرون به فى كل مكان و الذى لا يجب أن أصفه كما أراه حتى لا أتعرض لتهمة سب و قذف الشعب المصرى الشقيق

اللواء مصطفى بكرى - و لواء دى توضيحا لمجهوده فى المحاربة من أجل النظرية و الإيمان بها - و لو كان ايمان مدفوع الأجر - من أعظم من تكلموا عن النظرية على المستوى العربى ... و الرجل لم يترك حادثا أو شخصا الا و قد كشفه و فضحه و أوضح لنا دوره المرسوم بدقة فى تلك المؤامرة العالمية ضد العرب خير شعوب الأرض

لم يترك الرجل جريدة مثل المصرى اليوم عندما بدأت لتبث سموم المهنية الصحفية و الحياد فى تناول الأخبار و شن عليها حملة كاشفة مانعة توضح أنها جزء من المؤامرة الأمريكية لإفساد العقول المصرية ووقف يصرخ و يلطم محذرا من خطر أن تكون هناك جريدة يومية مستقلة - بحق و حقيقى - فى مصر ... و الحقيقة أننا يجب أن نعترف ببعد نظر الرجل و حدة ذكاؤه .....

فبعد سنوات لم تتعد بعد أصابع اليد الواحدة تحقق ما حذر منه و أصبح هناك فعلا وباء الصحافة المستقلة اليومية و الأسبوعية التى تتحدث بأسلوب جديد شديد المهنية و العقلانية و توخى الحقيقة فى كل الأحداث بأقل قدر من التحيز
و قد أدى هذا الأسلوب - كما حذر الرجل - من انهيار شديد فى شعبيته و أظهره - فى مؤامرة واضحة المعالم - بأنه المعارض الرئاسى بامتياز و أسقط عنه ذلك القناع الذى وضعه لفترة كبيرة بأنه المعارض المناضل ضد الفساد

بعد كل هذا أليس من حق الرجل أن يصرخ من المؤامرة ؟؟؟

كفاية كدة و نكمل المرة الجاية عشان زهقت
Post a Comment