Monday, February 4, 2008

يوم فى الشغل



مذكرات شخصية لا علاقة لها بالأحداث الجارية فى أى مكان فى العالم ولا تحمل أى من آرائى الفلسفية العظيمة فى الحياة التى لابد أنك تحب أن تقرأها لتضحك من شدة سخافتها

فى اليوم الذى بدأت فيه التحضير لكتابة أول موضوع بالصور التى التقطتها بنفسى و توقعت أن يكون رائعا و حميميا عن "يوم ما فى العمل" فقدت فيه هذا العمل

و برغم أنى ظللت فترة طويلة أشتكى من عملى - تقريبا منذ استلمته حتى تركته - الا أنه يبدو اما انى مدمن للاكتئاب و أشعر بأن شيئا ما ليس على مايرام طوال الوقت و فى كل الأحوال أو هى حالة نفسية سيئة لابد لها من تشخيص و علاج ما

أو ربما هى رغبة ملحة فى أن أظل دائما موضع شفقة و تعاطف من الآخرين و لأبرر أمام نفسى فشلى الدائم و كسلى الأصيل فى الوصول لأى نتائج ايجابية فيما افعل


أقول كل هذا التحليل النفسى البارع لأن منذ أبلغنى مالك الشركة بأن الشركة لن تستمر فى العمل لأكثر من شهرين قادمين و أنه بدأ فعليا فى تصفيتها و بدأ فى تقليل العمالة ((سبقنى ذلك المحاسب الوسيم علاء بيوم واحد و كان حفل خطوبته فى نفس يوم تركت العمل و لابد أن خطيبته تلقت الكثير من نظرات "نورتى يا وش السعد" من والدته كما تفعل كل الأمهات لخطيبات أبنائهن الذين يفقدون عملهم يوم قبل الخطبة بيوم)) ...ء
الحقيقة أننى لم أطرد من عملى كما قد يترائى لخيالك الشرير ... فالرجل كان ودودا و ربما لأول مرة منذ عملت معه ... بدا حنونا و حزينا كذلك و أعطانى مستحقاتى كاملة و معها مكافأة مالية أيضا و هو المعروف عنه أنه لا يدفع النقود أبدا بلا مقابل

تبا لكل تلك الكلمات التى تتدفق من عقلى ... لقد أثر على - و أنا من النوع الذى يتأثر بكل شئ بسهولة - العظيم أحمد خالد توفيق مرة أخرى و صرت أكتب باللغة العربية فى مذكرات يفترض أنها شخصية مثلما يفعل رفعت اسماعيل و علاء عبد العظيم ( صدقنى لو أنك لا تعرفهم فقد فاتك الكثيييير ) و أملئ كلامى بالسخرية المتناقضة فى محاولة عفوية ساذجة لتقليده

لنعود للموضوع ... كنت أشعر بالتوتر و الخجل من نفسى كل يوم أقضيه فى عمل تلك الأشياء التى لا أجيدها تماما مثل التحدث فى التليفون مع العملاء أو اتخاذ قرارات تافهة فى أمور أشد تفاهة ( حقا لقد كنت مذهولا أن تلك الأشياء التافهة هى محور حياة الكثير و الكثير من الأشخاص ) و أنتظر بفارغ الصبر عقارب الساعة ( التى اشتريت بطاريتها فى أيام عملى الأولى لمحاولة مد جسور الصداقة مع زميلىَ فى المكتب ) حتى تقترب من الرابعة و النصف لأهرب من مقر عملى الذى بدا لى كالسجن ... و لكن ما أن أبلغنى صاحب الشركة بأنه الأفضل لى أن أبدأ فى البحث عن عمل جديد و أن ذلك أفضل لمستقبلى حتى لا أنتظر للنهاية شعرت بذلك الشعور اياه الذى لا أعلم كيف أصفه و لكنه يصيبنى عندما أرتكب جرما ما أو أقع تحت انفعال شديد

ارتفع ضغط دمى للغاية كمن رسب فى امتحان آخر العام و هو يعلم تماما أنه هو المقصر ... ظللت محتفظا بابتسامتى السخيفة الباردة التى أظنها تخفى حقيقة ما يعتمل بداخلى ثم أكتشف كل مرة أن كل من يرانى يلاحظ على بمنتهى السهولة أننى على وشك الأنهيار ... لا أعرف اذا كان هذا بسبب احمرار أذنى أو ارتعاشة يدى التى يفاجئنى أن يلاحظها الآخرون ولا ألاحظها أنا - ياله من ظلم أن يرانى الآخرن ولا أستطيع أنا أن أرى نفسى من الخارج - شعرت بدوار شديد بعد أن ذهبت لمكتبى ... لابد أنك تتسائل عن السبب الذى يجعلنى أحكى لك كل هذا القدر من التفاصيل السخيفة و لكن الحقيقة - كما حذرتك - أن هذه مذكراتى الخاصة و لا يهمنى ان كنت تراها مطولة أو سخيفة أو مملة

و تبدو لى كل تلك الكلمات الوسيلة الوحيد للأحتفاظ بأكبر قدر من المشاعر و الذكريات عن الموضوع الذى سيغدو بعد قليل ماضى منسى فى حياتى

حقا لا أعلم ما الذى سبب لى هذا الإحساس بالمرارة و الحزن .... ربما ارتباطى بهؤلاء الأشخاص الذين تشاركت معهم مكتب واحد منذ خمسة شهور لما يقرب من سبع ساعات يوميا ( ساعات العمل الرسمية ثمانية و لكنى لم أحضر و أرحل فى مواعيدى المفترضة أبدا -- ولا هم ايضا ) لم أتخيل أن فراق تلك المجموعة العجيبة من البشر سيسبب لى كل ذلك المقدار من الحزن و الرغبة فى البكاء كالأطفال التى كتمتها كالعادة حتى لا أصير عاطفيا أكثر مما ينبغى و لكن يبدو أنها كانت ظاهرة فى عينى التى تفضحنى دائما

ربما غدا أو بعد غد أتصل بهم لأطمئن على أحوالهم و لكننى لن أعوض تلك اللحظات مرة أخرى ... دعاباتهم المضحكة المنطلقة و دعاباتى الخجولة السخيفة فى أغلب الأحيان و الظريفة فى بعضها


كم سأفتقد وجود أ.محمد بجسده الضخم و معلوماته التجارية الغزيرة التى تبدو و كأنها لا تنتهى و الذى شعرت من اليوم الأول أنها درع واقى لى من الأخطاء التى كنت سأقع فيها حتما لولاه ... كم سأفتقد شعورى نحوه كأنه حارسى الخاص أو أبى الذى لا أشترك معه فى ذكريات محبطة من الطفولة و المراهقة ... هذا الرجل الذى لو قابلته منذ عامين أو ثلاثة للقبته بـ "عمو" محمد عملت معه لخمسة شهور كاملة لم ينادينى فيها سوى بالبشمهندس أحمد لدرجة أننى أحيانا كنت أعتبرها سخرية لئيمة منه لكثرة أخطائى و شرود ذهنى

كم سأفتقد جولات جدلى الدائم مع عاطف حول أمور غالبا لا يفهمها كلانا بصورة جيدة و لكن كل منا حاول أن يبدو فيها أكثر علما من الآخر و يحاول أن يقنع الآخر بما يعلم مسبقا بأنه لن يقتنع به ... كم سأفتقد الافطار اياه و ذهابى مع مصطفى لشرائه

مصطفى ... هذا البائس الذى أشعر بالفزع من أن يصل حالى لمثل حاله يوما ... فبالرغم من تباين المستوى الاجتماعى و المادى و الثقافى بيننا الا أنه طفل آخر يصل لأعتاب الأربعين دون أن تكون له زوجة أو أولاد أو حتى مسكن مستقل ليعيش فيه ( يعيش فى أحد الشقق التابعة للشركة و سيضطر للبحث عن مكان للسكن بعد تركه الشركة )... ان فراقى لمصطفى و حزنى عليه و قلقى على مصيره يفوق شعورى بالأسف نحو نفسى ... فى النهاية أنا سأجد عملا آخر سخيفا و نقودا أخرى أكسبها ولا أجد شيئا حقيقيا أفعله بها .... مستقبلى مليئ بالكتب و الأجهزة التى سأشتريها فقط لأننى لا أجد شيئا أفضل أفعله بالنقود و لا أحد لأبتاع له هدايا ما ... بينما هو لا يزال يفكر كيف يمكن أن يبدأ حياته و كيف يدبر مكانا يستقر فيه ليدير تجارته الخاصة المحدودة للغاية و التى يحلم فقط بأن تكون كافية ليحيا بها

أيها الأعزاء - زملائى فى العمل - أعلم تماما أنكم لن تقرءوا كلمة واحدة مما أكتب هنا - ربما لو صرت مشهورا يوما يجلس وقتها محمد زكى ليحكى لحفيده عنى و كيف كان أول عمل لى معه و كم كنت أخرقا ضعيف الذاكرة لدرجة تصيبه بالجنون و لكنى كتبت كل هذا كى لا أنساكم

و أيضا لكى أحاول أن أفهم لماذا أشعر بكل تلك الوحدة الجاثمة على أنفاسى كالكابوس منذ أن تركتكم


ذاكرتى تبدو فى حالة رثة للغاية كما تعلمون و قريبا جدا سأنسى تماما أن أصغر أبناء حسن يدعى كريم و أن ابنة سعد الصغيرة ياسمين كوميدية مثله و أن عاطف لديه أربعة بنات سيصرن يوما زوجات اخوانيات متفانيات لقضيتهن

قريبا تضيع كل تلك الذكريات الدافئة الجميلة من عقلى كما ضاعت أشياء أخرى كثيرة من قبل و كما تضيع كل الأمور الجيدة من الحياة ولا يتبقى منها غير الأمور التافهة و الأرقام الباردة

خدش بسيط على شاطئ ذكرياتى الرملى و لكننى فقط أرجو أن تلك الكلمات تحافظ عليه ليبقى مدة أطول بقليل
Post a Comment