Saturday, February 26, 2011

الفوضي القادمة وكيفية التغلب عليها

المقال مترجم للغة الألمانية 


الشعب يريد إسقاط شفيق , الشعب يريد إسقاط المشير , الشعب يريد محاكمة مبارك , الشعب يريد اسقاط النائب العام , الشعب يريد تغيير وزير الداخلية بوزير مدني من القضاة , لأ الشعب يريد تغيير وزير الداخلية بوزير من الجيش , الشعب عاوز مجلس حكم فيه 2 مدنيين وواحد عسكري , لأ الشعب مش عاوز كدة بس عاوز تغيير قيادات الصحف القومية , الشعب يريد حكومة تكنوقراط , الشعب مش فاهم يعني إيه حكومة تكنوقراط , الشعب عاوز حمدين صباحي في الحكومة , لأ الشعب مش عاوز حمدين الشعب عاوز أحمد ماهر لأ لأ بلاش أحمد ماهر الشعب يريد وائل غنيم ... مين بيتكلم بإسم الشعب? مين بيحدد أولويات الشعب?

بعد القليل من التفكير من خارج الاحتقان الحالي بين النشطاء والشرطة العسكرية أري الآتي وبرغم أن قول الحق دون انفعال سيثير غضب العديد من المنفعلين إلا أنه لا مفر من قوله

مانتجه الآن إليه هو حالة من الفوضي السياسية الشاملة نتجت من عدم وجود مؤسسة يمكنها أن تتحدث بإسم أو بالنيابة عن المجتمع المصري

أصبح لكل ولأي مجموعة من الأشخاص - أصحاب فكرة أو رغبة ما ويؤمنون بأولويتها - شرعية المطالبة بها في التو واللحظة وهو أمر ديمقراطي محمود لكن لم تكن المشكلة في المطالبات ذاتها بل في الشروع في تنفيذ تلك الفكرة أوالرغبة حالا وبقوة الأمر الواقع دون الرجوع لرأي بقية المصريين المفترض أن تؤثر تلك الفكرة في حياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر

أضرب مثال مباشر هنا بقيام مجموعة من الشباب رأوا أنه من الجميل تغيير اسم محطة مترو مبارك إلي محطة شهداء 25 يناير ، وهي فكرة رائعة بالفعل ، لكن الكارثة هنا هي أنهم قرروا تنفيذ ذلك فعليا علي أرض الواقع دون أي سند قانوني ودون أخذ رأي أحد سوي أنفسهم وكأن رأيهم وحدهم كافي لمنح الشرعية لفرض تغيير ما علي تفصيلة تمس حياة الآلاف من المصريين دون استشارتهم أو استطلاع رأيهم

لم يتسائل أولئك الشباب عن ماذا لو تضرر بقية المواطنين من ذلك التغيير الفجائي وتسبب تغيير اسم المحطة في ارتباك بعض مستخدمين المترو الذين لم يتم أخذ رأيهم والذين قد يكون عددهم أكبر بكثير من عدد الذين فكروا وقرروا ونفذوا وصوروا ونشروا؟

ماذا لو قررت مجموعة أخري أن اسم شهداء الثورة لا يناسب تلك المحطة وقرروا تحويله إلي اسم "محطة رمسيس" مثلا ثم قاموا بتغيير الاسم بنفس الطريقة؟

قد تبدو هذه تفصيلة بسيطة وغير ذات أهمية في نظر البعض لكنها تكشف أسلوب التفكير السائد الآن والذي يري أن من حق أي شخص أو مجموعة من الأشخاص أن يقوموا بتنفيذ فكرة أعجبتهم بدعوي الشرعية الثورية ،وهو بالمناسبة نفس أسلوب تفكير مسئولين الدولة من قبل في إتخاذ قرارات فجائية بحجة أنهم هم من يحددون أولويات الحياة عند المواطنين، لكن يظل الضرر الواقع من قرار مفاجئ لمسئول في الدولة أقل من الضرر الواقع من القرار المفاجئ لمجموعة من المواطنين لأن المسئول يمتلك علي الأقل آليات تنفيذ القرار

ولنعود إلي مثال تغيير اسم محطة المترو فنري أنه يستحيل تقريبا علي الشباب الذين غيروا اسم المحطة أن يقوموا بتعديل الاسم في كل عربات المترو في خط المرج-حلوان وخط الهرم-شبرا ومع الأخذ في الاعتبار آلاف الركاب الذين يعتمدون علي مطابقة اسم المحطة في العربة مع خارج العربة -وخاصة إنها محطة حيوية- يستخدمها الآلاف يوميا من خارج القاهرة للوصول لمحطة القطار

يمكننا عندها تخيل مدي الضرر الواقع علي العديد من المصريين بسبب قرار تم اتخاذه وتنفيذه من جانب مجموعة من الشباب رأت أن لها صلاحية فرض رأيها وأولوياتها علي بقية المجتمع

ولنتخيل مثلا لو قررت مجموعة أخري تغيير بقية أسماء المحطات تبعا لما تراه الأفضل والأصلح دون قاعدة سوي أن كل يفعل ما يراه مناسبا

نعود من ذلك المثال إلي أرض الواقع السياسي ، حيث نري أن كل مجموعة لها وجهة نظر أو مطلب ما -فئوي أو سياسي- تتعامل بنفس منطق شباب المترو فتقوم بمحاولة فرضه فرضا علي بقية المجتمع دون وجود آلية حقيقية لمعرفة رأي ذلك المجتمع ، الذي هو بالملايين ولا يستطيع الفيس بوك وحده أن يعبر عنهم

فيري البعض مثلا أن وزير الثقافة الجديد لا يصلح فيقومون بتنظيم مظاهرة لإقالته ويري آخرون أن وزير العدل من بقايا النظام السابق فيقولون بتنظيم اعتصام لإقالته دون الأخذ في الإعتبار رأي الملايين الذين يؤثر هذا القرار في هذا التوقيت علي حياتهم

تكمن المشكلة هنا أن كل مجموعة مهما قل عددها تسعي لفرض رأيها علي بقية المجتمع بأن تتحصن خلف شعار "الشعب يريد كذا" وكأنهم أخذوا تفويضا من الشعب للتحدث بإسمه وهذا في الحقيقة لم يحدث وقد يؤدي لنتائج كارثية إذا تم سحب الرأي العام في اتجاهات عشوائية نحو مطالب لا تحظي بأي توافق مجتمعي حولها لكنها تكتسب وزنا من كونها الأعلي صوتا بين نشطاء الفيسبوك وغيرهم مما قد يؤدي في لحظة من اللحظات للخطر الذي نتجه نحوه بخطوات متسارعة وهو انفصال الرأي العام في المجتمع عن رأي المجموعة الأعلي صوتا علي الفيسبوك والتويتر

فمثلا قد يري كل نشطاء الفيسبوك وتويتر أن الأولوية الأهم في هذه اللحظة هي تغيير وزير الداخلية وتري الغالبية من المجتمع أن الأولوية لعودة الشرطة لعملها ، فليس فقط من غير المقبول من الناحية الديمقراطية أن يفرض نشطاء الانترنت رأيهم علي الغالبية لكن أيضا أهم خدمة نقدمها لدعاة الثورة المضادة هي انفصال مطالب الثوار -أو بمعني أصح أعلاهم صوتا- عن مطالب الشعب

لذلك ولكل ما سبق يجب أن يكون هناك بأسرع مايمكن كيان مؤسسي مدني - أشبه بالبرلمان - تجتمع فيه معظم القوي السياسية والمجتمعية ويتم فيه طرح الأفكار والمطالب المختلفة ليستطيع أن يمثل مطالب المجتمع الملحة ورغباته المشروعة والضغط لتنفيذها بشكل جماعي يحقق مصلحة ورغبة الأغلبية ويمنع الإنزلاق في فوضي تشتت الآراء ومصيبة أن يحاول كل صاحب رأي فرضه علي الباقين
Post a Comment