Saturday, January 26, 2013

الطريق من مصر الطرية لمصر القوية



رؤيتي التي تدل عليها جميع المشاهدات والخبرات أنه لايوجد في القوى السياسية من هو مؤهل لحكم مصر "الآن" سواء في السلطة او المعارضة ،، وأقصد بحكم مصر قيادتها فكريا وتنميتها اقتصاديا وتحسين أحوال شعبها , لا إدارتها كمحل بقالة بدون خطة ولا رؤية

الأخوان ليسوا مؤهلين للحكم السياسي - لإنهم كانوا بعيدين عن دوائر صنع القرار لعشرات السنوات وهذا لا ذنب لهم فيه ولكن أيضا لإنهم أختاروا بإرادة حرة الاستمرار في العمل كتنظيم سري مركزي يدير أنشطة خيرية ومؤسسات تجارية وحزب سياسي وأعمال دعوية ويرفض أن يتطور ويتفرغ للعمل السياسي أو حتى أن يدع الحرية لأعضاؤه للانضمام للمؤسسة السياسية التي تعبر عنهم مما كان لابد وسينعكس على تطورهم وانفتاح فكرهم

بالقطع يشكل الحفاظ على التنظيم السري المركزي "الشاطري" عبء شديد على قيادات المؤسسة الحاكمة ويمنعهم خوفهم على السرية وثقتهم في نفسهم من الاستعانة بالمحترفين – التكنوقراط - ويمنعهم أيضا من التعاون مع التيارات المختلفة معهم في الرؤية ،، وبالتالي محكوم على تجربتهم بالفشل, اللهم إلا إذا أعتبرنا نجاحهم في الحصول على قرض من هنا والقاء خطبة حماسية هناك هو النجاح الذي نتمناه في إدارة مصر!

السلفيين بطبيعة الحال ورغم امتلاكهم للحماس والرغبة الصادقة في تطبيق نموذجهم إلا أنهم لا يمتلكون - نتيجة لانعزالهم قبل الثورة عن شئون الحكم والسياسة - الخيال السياسي المعقد والواقعي في الوقت نفسه الذي يمكنهم من تولي المسئولية والنجاح فيها , بل أن انقسامهم لعدة احزاب ثم التآكل المحتوم لشعبيتهم - نتيجة لزيادة الوعي السياسي ورفض فئات جديدة من المصريين ربط العمل السياسي بالدين كل يوم - لن يدع لهم فرصة أن تزيد شعبيتهم عما كان لهم في الفترة التي تلت الثورة مباشرة

أنعزل السلفيون - كتيار سياسي وكأفراد - عن فئات كثيرة من الشعب بسبب طبيعة فكرتهم المنغلقة ولن تتصالح كل فئات الشعب معهم إلا إذا قاموا بتغيير لغة خطابهم وتبنيهم لخطاب منفتح أكثر تحررا وقاموا بالتخلي عن تلك الأثقال التي تشدهم لقاع التاريخ وتثبتهم في قشور القضايا والمشاكل , وهو ما لن يحدث إلا بالتخلي عن الإيمان بكمال الفكرة التي يدافعون عنها والاقتناع بأنهم بشر يدافعون عن أفكار بشرية وليسوا أتباع مقدسين لزعيم سياسي اصطفاه الله من أربعة عشر قرنا


نأتي للقوى المحافظة مثل الجيش والقضاء ورجال أعمال النظام وعائلاتهم التي سيطرت لعقود على السلطة , والتي تجمعت تحت إسم "الحزب الوطني" في يوم من الأيام وتحت اسم "الاتحاد الاشتراكي" في أيام أخرى أو حتى دون اسم محدد كطبقة حاكمة يتولى أبناؤها كل المواقع المؤثرة في الدولة والمجتمع سواء في القضاء أو الحكومة أو الإدارات المحلية أو الإقتصاد أو الشركات أو حتى العمودية في القرى

الحقيقة أن تلك القوى برغم نفوذها وترابط مصالحها لم تكن لها رؤية سياسية خاصة بها ، هي تريد الإستقرار - كما نريده جميعا في الواقع – ولكنها تريد الاستقرار على الوضع الحالي الذي يحقق لها مصالح ضخمة آنية لا تستطيع التفريط فيها وهي لاتمتلك العقلية التقدمية التي تظهر لها مكمن المظالم والعيوب , وحتى إن علمت مكمنها فهي تفهم فورا أن الإصلاح يمس مصالحها الاقتصادية ونفوذها بشكل حاد لن يمكنها من أخذ خطوات تجاهه , ومن المتوقع أن تظل تلك القوة بين حالة السلبية أو المقاومة ولن تستطيع أن تتقدم الصفوف لتصبح تيار رئيسي يحوز ثقة المجتمع وأصواته ،،، الهم طبعا إلا في بعض الدوائر والمجالات المتفرقة

ورغم تمسك تلك الطبقة بالتحلق حول الجيش كضامن مسلح ومنظم وشرعي لإستمرار نفوذها - كما فعل منذ بداية الحكم العسكري في ١٩٥٢ - إلا أن الجيش نفسه يدرك تماما - بعد عامين من الفشل المستمر في الإدارة المباشرة - أن الزمن تغير وان حكما عسكريا صرفا للبلاد لم يعد أمرا مقبولا داخليا وخارجيا وأدرك أن كل مايمكن ادراكه هو الحفاظ على مكاسبه السابقة و"دسترتها" مع الضغط على الجميع للقبول بوجوده كمؤسسة حاكمة للدولة من وراء ستار وسيظل كذلك طالما أستمرت مؤسسات الدولة في حالة السيولة والتخبط الذي تعيش فيه منذ عام ٢٠٠٥ تقريبا


نأتي للقوى الثورية بتنوعاتها

فما بين تيار ثوري شديد التطرف في رومانسيته لا يمتلك أى أدوات لتحليل الواقع ومن ثم الخروج بسياسات للتأثير فيه - رأينا ذلك في التمسك بخيارات سياسية منفصلة عن الواقع مثل تأييد مرشح مثل خالد علي أوالمطالبة بمجلس رئاسي وإلى آخره من مطالب غير منطقية وغير قابلة للنجاح - ومابين تيار يرى نفسه ثوريا لكنه في الحقيقة ينادي بأكثر أساليب الحكم رجعية وفشلا دون أن يدري - تيار الزعيم الأوحد المفكر الأعظم صاحب الضربة الثورية الأولى والسلطة المطلقة والذي لا يتحمل أى مسئولية عما يفعله تابعيه بتفويض مباشر منه داخل حزبه

يرى أصحاب ذلك التيار أنهم لايحتاجون إلى خطة ولا رؤية للاصلاح , يكفي أن نضع زعيما منهم رئيسا للبلاد لينصلح حالها - رغم أن زعمائهم عادة مايفشلون في إدارة مؤسسات سياسية محدودة - ولذلك فإنهم إن وصلوا للسلطة - وهذا ما أتوقعه بعد انهيار المشروع الوهمي الحالي - لن يكونوا اكثر قدرة على اخراج مصر من حالة الفوضى التي تدب فيها , بل أن مبالغتهم في العداء للاسلاميين ستشغلهم بمحاولة اجتثاثهم من أجهزة الدولة عن محاولة طرح وتنفيذ حلول واقعية لإصلاح تلك الأجهزة ،،، بإختصار سوف نرى الرئيس المنتمي لحزب الدستور أو البرلمان المنتمي للتيار الشعبي - إن وصلوا يوما للسلطة - في حالة حرب على الاسلاميين الذين سبقوهم للسلطة وخرجوا منها مهزومين بدون تحقيق أى انجازات تذكر لعموم المصريين الذين لا يهتمون بالمسمى السياسي للحاكم قدر مايهتمون أن يصلح احوالهم المعيشية ، وهي التي لن تنصلح إلا بوضع خطط سياسية واقتصادية معقدة للإصلاح

هذا التيار وإن لم يكن محكوما عليه بالفشل في الوصول للسلطة – نظرا لحالة الفراغ التي سيتركها الاسلاميون خلفهم عاجلا أو آجلا - إلا أن فشله في تحقيق أى انجازات في السلطة أمر مفروغ منه - بسبب عدم فهمه لمطالب الناس الحقيقية وبالتالي افتراض أنه يعلم الأصح لهم أو عدم معرفته كيف يحقق مطالبهم - ،،، يظل ذلك التيار - ولأسباب كثيرة منها خلفيته الطبقية التي تعزله عن كتل ضخمة من الشعب المصري - ينظر لقشور المشاكل ويؤمن بأن مجرد تعديل بضع "نصوص دستورية" سوف يؤدي لإصلاح أوضاع مصر وتنميتها ويدعو الناس لتأجيل حل مشاكلهم اليومية الملحة حتى يكتب الله النجاح لنظرياته في الحكم والادارة

يتبقى هنا التيار المنطقي العقلاني الذي يبني مواقفه وخططه على تحليل محايد للواقع للوصول للاصلاح ورفع الظلم بشكل عملي وليس بشكل نظري – نظرا لإنه بالفعل ينتمي للطبقة الاجتماعية التي تعاني من الظلم ويمتلك في نفس الوقت الأدوات المعرفية التي تمكنه من فهم ما ينبغي عمله للتقليل منه بآليات عملية تتكامل مع النظريات الأكاديمية المطروحة

يتمثل ذلك التيار في العديد من الكيانات السياسية مثل حزب مصر القوية والتحالف الشعبي الإشتراكي وحركة شباب ٦ أبريل ويعبر عن طبقة اجتماعية متوسطة ثقافتها لها طابع المحلية ورؤيتها تتحرك بين أرض الواقع ولا تتجاوز سماء الطموحات الممكنة

مثل ذلك التيار في انتخابات الرئاسة عبدالمنعم أبوالفتوح ولكنه جاء تاليا لممثلين التيارات التي ذكرتها سابقا "الاسلاميين - النظام القديم - الزعامة الفردية والشعارات" وأزعم أنه لو أنضم لقائمة المرشحين الرسميين حازم أبواسماعيل لكان هو المعبر عن تيار الزعامة الفردية والأسلمة في ذات الوقت

ذلك التيار ليس مؤهلا بأى حال لحكم مصر الآن، وأعود لأذكر بما قلته في بداية كلامي من أن حكم مصر لا يعني إدارتها كمحل بقالة أو كوحدة عسكرية أو ستوديو تصوير يتصارع على السلطة داخله مخرج أو نجم سينما ،،، وانما يعني الإشتباك مع كل مشاكلها وأزماتها وتقديم الحلول المنطقية والواقعية والمدروسة وتنفيذها ,أعني بحكم مصر وضع خطط ناجحة ومقبولة لتنميتها ورفع مستوى معيشة سكانها واستعادة حقوقهم الضائعة منذ سنوات

سوف يحكم ذلك التيار مصر يوما ما عندما تفشل بقية الحلول المطروحة في تحقيق نتائج فارقة في حياة الناس ويسقطها الشعب المتعطش للحياة بكرامة من حساباته لإن الحياة بكرامة لا تعني فقط أن نعيش كمواطنين ينص الدستور على كونهم أحرار ولكن أن نعيش في وطن فقيره غنى عن السؤال وتعيش طبقته الوسطى دون خوف مستمر من الفقر ويعيش غنيه دون رعب من المستقبل المجهول , أن نعيش بكرامة يعني أن نعيش أحرار بالفعل لا بالكلام

من الطبيعي جدا أن يقف الجميع الآن ضد ذلك التيار لإنه يكشف خطأ رؤية البعض "الحالمة دون سند واقعي" من جانب ويأكل وجوده من شرعية أصحاب النفوذ الحاليين في المجتمع سواء كان النفوذ طبقيا أوسياسيا أو اعلاميا ،، لكن من الطبيعي أيضا أن يسود في النهاية للأسباب التي ذكرتها سابقا

أختم مقالي بالإشارة إلى مسئولية أعضاء حزب مصر القوية عن تحقيق تلك النبوءة التي تظل مجرد نظرية إن لم تترجم بعمل جاد على أرض الواقع وأخاطب أعضاء مصر القوية تحديدا بصفتهم أعضاء الحزب السياسي الأكثر تنظيما وعددا وتنوعا داخل ذلك التيار

المنطق يقول أنه إذا لم تحدث تحولات سياسية كبرى في خريطة السياسة المصرية فإن حزب مصر القوية سوف يكون حزبا حاكما للسياسة خلال عدة سنوات , قد يحدث ذلك لتساقط المنافسين ونقص أهليتهم للحكم لكنه لن يكون كافيا, يجب علينا أن نعمل سويا بإصرار وبوضوح وبخيال متفتح لنكون جديرين حقا بإدارة مصر وأحوال أهلها ولنكون النموذج الديمقراطي الأخلاقي العملي في أرض الواقع , يرى الطائفيون والمتعلمنون أن كل منهم خطر داهم عليه ويسعى كل منهم إلى اقصاء الآخر ويرانا كل منهما خطرا على مشروعه لإقصاء الآخر لإننا نمثل هزيمة لفكرة القطبية الثنائية بين الحداثة والدين , وفكرة اما نحن أو هم

مشروعنا الحضاري كتيار يعبر عنه سياسيا حزب مصر القوية يضمن بقاء الطرفين فاعلين دون اقصاء لأى منهما وهو ما يرفضه – حتى الآن كل منهما - مشروعنا مشروع تنافس سلمي ديمقراطي أخلاقي على خدمة المجتمع وتطويره ورفع الظلم عنه , مشروعنا نطبقه على أرض الواقع عمليا ولا نضعه في إطار نظري خيالي، نطبقه على أرض الواقع لنختبر صلاحيته للتطبيق وحدود تلك الصلاحية

سوف نخطأ كثيرا بطبيعة الحال ولكن ستظل فكرة جمع الابداع مع التنظيم , واقعية الأهداف مع مثالية المبادئ , احترام الأشخاص دون تقديسهم هي الأكثر منطقية من بين الأفكار المطروحة على الساحة ولذلك ستسود حتى وان تفكك حزب مصر القوية لأى سبب من الأسباب

يبقى علينا - الآن - مسئولية أن نكون على قدر تحمل المسئولية التي سنتحملها لاحقا ، يبقى على كل منا مسئولية تطوير رؤيته وخبراته وشبكات اتصاله بمجتمعه الآن لنكون جديرين بقيادة ذلك المجتمع لاحقا , يبقى علينا تحمل مسئولية أن نتعلم كيف نتعايش سويا كأعضاء مختلفين في كيان واحد , لا كمتنافسين على سلطة قمع لآراء الآخرين بل كمتنافسين في خدمة المجتمع

سوف ينضم إلينا آلاف الأعضاء تباعا خاصة عندما تفشل النماذج السياسية التي انضموا اليها في تحقيق الحرية والكرامة لجموع المصريين, لكن يجب أن يجدوا وقتها كيانا صلبا منظما يستوعبهم ولا يتعالى فيه أحد عليهم بأنه الأكبر سنا أو الأكثر علما أو الأقدم وجودا , يجب أن يكون لدينا مرونة اعطاء كل ذي حق حقه ولو اختلفنا معه أو شعرنا بأفضلية ما عنه , فكلنا نتكامل سويا ولا غنى لأحد عن الآخر

زملائي وأصدقائي,  فلنعمل سويا على ان يكون حزبنا قويا خلاقا حتى تكون مصر - بالفعل - قوية

Post a Comment