Sunday, August 10, 2008

لحظة الخروج من الجنة

فى عصر سحيق سحيق قبل ظهور الأديان و الأفكار و الضمير و المشاعر المعقدة
فى عصر ما قبل الانسان الحجرى ... عصر ما قبل آدم البشرى الأول
عاشت تلك المخلوقات ذات الذراعين و القدمين و الرأس فى الجنة لآلاف السنين
كانوا يعيشون و يتكاثرون و ياكلون و يشربون و يموتون كما الأنعام ... دون حزن أو فرح أ او خوف أو عقاب او تجارة .. جنة حقيقية لا يحلم بها ايا منا الآن

ظل آباء آدم الأوائل سعداء لأنهم لم يعرفوا معنى للسعادة أو للتعاسة ... ما يحركهم هو مجرد غرائز كامنة مثل بقية المخلوقات من حولهم

عاشوا كالملائكة لا يعصون ولا يحاسبون لأنهم - ببساطة - لا يعون ولا يعرفون

جماجمهم احتوت أمخاخا تحرك أبدانهم و تولد الغرائز البسيطة فيهم و لكن لم تكن صدورهم أبدا لتحوى قلوبا يفقهون بها أو عقولا يتفكرون بها

ثم فى تلك اللحظة السوداء فى تاريخ الأرض .. لحظة تكوّن أول فكرة مجردة فى عقل الانسان... خرج الانسان من الجنة

لحظة ان قرر ان يكون له كيان و له اسم يميزه عن الباقين من حوله .. ( آدم ) .. علم ان هناك آخرين مختلفين و ان الجحيم - كل الجحيم - فى الآخرين

لحظة أن علم أن للكون خالق فانهارت جنته التى عاش فيها منذ أن كان أميبا وحيدة الخلية منذ مليون عام فقط تمرح دون حساب ... دون ثواب او عقاب ... كان يموت فلا يهتم كثيرا و ببطا تخيل ان لابد للموت من قيامة كما تخرج الشمس من مشرقها بعد موتها كل يوم

تعلم خلال سنوات عمره المقارنة و المقاربة و البداية و النهاية

هنا طرد من جنة الجهل و الغريزة و الوحشية و السلام النفسى لجحيم العقل و الفكر و الحساب و القيامة ......... اصبح للسماء فوقه كيان مختلف عن الأرض و أصبح للبحر معنى غير النهر و أمسى للأشياء اسماء و للمعانى داخله ألفاظ يعرفها بها

هنا اكل آدم من شجرة المعرفة فحق عليه الطرد

أصبح لجسده عورة وجب عليه تغطيتها لأنها تولد فيه مشاعر شتى من اللذة للتقزز

لحظة أن أدرك انه مختلف عن الاخرين توقف عن ان يصبح مجرد آخر و تحول الى انسان ... عاش بين الآخرين فى جحيم ... هو يدرك و هم لا يدركون .. هو يقلق و هم لا يقلقون ...

ظل يقتله هم التفرد بين بنى جنسه حتى وجدها ... أول رفيقة من أشباهه مختلفة هى الأخرى ... اول رفيقة تدرك هى الأخرى أن لها اسما يميزها عن الباقين .. ( حوا ) أول انسانة تعلم ان ما يحركها ليس فقط غريزة الوحوش التى اوجدتها فى الدنيا منذ بضع سنين


أحبا بعضهما من أول نظرة لأنهما علما انهما متميزان عن بنى البشر

تلاقا الاثنان و استظلا ببعضها و عرفا الحب بديلا عن الرغبة و الأمل و الخوف بديلا عن فراغ البال و شعرا بمعنى الموت و النهاية و عاشا معا سنين ليكونا أول سلالة تملك شيئا جديدا لم يصل اليه مخلوق من قبل على وجه الارض كلها

العقل


بعد آلاف الاعوام عاش و مات اسلافهم فيها دون ان يدركوا قيمة أو فارق بين الحياة و الموت نشأ منهما نسلا من البشر ذوى العقل ... و لكنهم - النسل الجديد - حمل رغم ذلك الكثير و الكثير من صفات الأسلاف و طرقهم من جهل و وحشية و فراغ و ضياع

و ظل طوال الوقت و رغم كل شئ و ضد كل الظروف آدم و حوا يظهران من وقت لآخر مختلفين عن من حولهم و مصران على حقهم فى البقاء متميزين




و من وقتها حتى اليوم قلة قليلة تعيش تلك المأساة و تكررها كل يوم ... لحظة الحصول على المعرفة و ما يتبعها من مسئولية ... لحظة الخروج من جنة النعيم
Post a Comment