Friday, November 7, 2008

النبى ليبرالى



أكتشفت هذا فجأة عندما كنت اتحدث مع صديق لى عن كيف أن أوباما يعتبر بالنسبة للأمريكان ليبراليا و كيف أنها تهمة عندهم كما هى عندنا أن تكون ليبراليا تخالف الفكر السائد فى المجتمع

و ذلك - على قدر فهمى المحدود - لأن الفكر السائد و المستقر و الراسخ فى ثقافة أهل الولايات هو الفكر الرأسمالى الخالص و الاقتصاد الحر بلا حدود .... و أن تكون لك بعض الأفكار عن اعادة توزيع الثروة أو التدخل الحكومى فى السوق و توجيه الاقتصاد فهذا يعنى أنك مختلف بدرجة كبيرة مع الفكر السائد

حتى أن أعضاء الحزب الجمهورى و مؤيديه نعتبرهم محافظين لأنهم يتمسكون بمبادئ السوق الحر الراسخة فى الثقافة الأمريكية الرأسمالية و معارضتك لتلك الأفكار يجعلك فى خانة المهرطقين أو الليبراليين الذين يتحررون من اتباع ثقافة المجتمع و يختلفون معها

و بينما هنا - بالنسبة لمجتمعنا و ثقافتنا - يعتبر أوباما يمينيا متطرفا و ماكين يمينيا أكثر تطرفا فأن أوباما يقع على يسار البوصلة الأمريكية للتصنيف السياسى و ماكين يقغ على يمينها

اذا ففكرة أن تكون ليبراليا (وهى مختلفة فى المعنى عن أن تكون رأسماليا ) هى مرتبطة بالأساس بالسائد فى المجتمع و قدرتك أو ميلك نحو التحرر من اتباع السائد و ان تكون لك وجهة نظرك الخاصة المخالفة و أن تسعى للدفاع عنها

و هنا يبدو أن للتطور الحضارى و التاريخى للشعوب و الثقافات دورا فى تحديد موقعك من بوصلة الحياة ليبراليا متحررا أو محافظا رجعيا متخلفا

فلو أنك خرجت بدعوة خلع الطربوش عن الرءوس فى الثلاثينيات من القرن الماضى لأتهمت بأنك ليبراليا تسعى للتحرر من و هدم قيم و ثقافة المجتمع و مثله العليا و لو كنت وقتها من دعاة الحفاظ على العادات السائدة لوصفت بأنك من المحافظين ... بينما أنك لو فكرت الآن فى دعوة الناس الى التمسك بنفس عادات نفس المجتمع فى تلك الحقبة السابقة لوصفت بالرجعية و التخلف و ليس حتى المحافظة

اذا ففكرة الوصف بالرجعية أو التحرر مرتبطة كما هى بالثقافة السائدة بالحقبة التاريخية التى نتكلم عنها أو التى نقيس عليها

و هنا نعود للعنوان - الذى أظن أنه قد مر على منذ عدة أعوام فى جريدة من الجرائد - و أستطيع عندها القول و أنا مستريح ان الرسول محمد كان ليبراليا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ( التحرر من قيود المجتمع السائد و عدم الخضوع لها ) بالنسبة لمجتمعه .... فهو بدعوته الناس بترك عبادة الأصنام و عبادة اله واحد فقط غير مجسد أمامهم قد كسر أحدى اهم مرتكزات العقيدة السائدة وقتها فى مجتمعه

و يمكننا أن نعتبر أن أبو لهب و أبو جهل و كل كفار قريش من المحافظين على قيم و مثل ذلك المجتمع و الذين فعلوا كل ما يمكنهم لوقف الدعوة للتقدم و ترسيخ الدعوة لعدم الخروج عن السائد و المعلوم وقتها 

و هو - عليه الصلاة و السلام - عندما دعا للمساواة بين العبيد و السادة وبصورة عملية بالدعوة لعتق العبيد و حسن معاملتهم ( وان لم يلغى الرق بصورة قطعية ) فقد تعدى حدود كل ما يمكن للناس وقتها ان يتصوروا أن يفكر فيه أحد

و هو عندما دعا للمساواة بين البشر بدون اى تمييز عنصرى بين العرب و غير العرب كان متحررا بصورة هائلة من عادات و أفكار المجتمع القبلى آنذاك و هو ما أعطى دعوات التخلف اللاحقة قوة بأن تَرَاجع العرب - فى بعض أحداث التاريخ بعدها - عن ما يأمرهم به دينهم بالمساواة و ميزوا بين الناس على أساس الأصل و النسب .. بل ان بعضهم - كما نفعل الآن - ليقوى موقفه العنصرى فأنه ألبس دعوته للتمسك بالتفرقة العنصرية لباس الدين و أدعى أن الحكم يجب أن يكون للعرب و ليس لغيرهم

و هو عندما جعل للمرأة حق الميراث و حق الطلاق و حق الاشتراط على الزوج بألا يتزوج غيرها و حق الأجر على عمل المنزل و حق اختيار الزوج فأنه كان يضيف خطوات حضارية لم يعهدها المجتمع العربى الذى كان يساوى بين المرأة و الشاه و كان الابن فى ذلك المجتمع يرث امراة أبيه كجزء من الميراث

فهو هنا قياسا لظروف و ثقافة و حضارة مجتمعه الذى بدأ فيه دعوته كان ليبراليا متحررا من القيود الفكرية و القطيعية لمجتمعه و أدت دعوته لتقدم هائل - على المستوى الحضارى و الاقتصادى أيضا - لعرب الجزيرة

و رغم عدم وجود الدليل أن العرب كانوا على قمة الحضارة فى أى وقت أو أن القياس عليهم يعبر عن المستوى الحضارى للعالم كله بحضاراته و ثقافاته المختلفة ( فقد كان للمرأة حقوقا مساوية للرجل فى الحضارة الفرعونية على حسب علمى ) و لكن القياس يجب أن يراعى فيه السائد فى المجتمع و الحقبة التاريخية التى ظهرت فيها تلك الدعوة 

و لذلك فأنه يمكننى أن أدعى أن الاسلام - فى أصله - يدعو من ضمن ما يدعو له من قيم للتقدم دائما للأمام و عدم الوقوف عند مرحلة حضارية ثابتة ... ربما الآن تبدو لنا فكرة عدم المساواة بين الرجل و المرأة فى الميراث فكرة سخيفة و ظالمة ( وهذا حقيقى الآن ) و لكنها بالنسبة للماضى كانت مقبولة و غير ظالمة بل و كان مجرد أن ترث المرأة يعتبر ثورة لصالح تقدم المراة فى سبيل حقها كانسان كامل

و لكن تمسكنا بالماضى و عاداته و تقاليده و افكاره ( التى تنشأ عنها تفاسير الدين ) هو التخلف بعينه ( ما دمت اتفقت معى على ان التخلف و التقدم ليس أمرا ثابتا بذاته بل يجب قياسه على الثقافة الموجودة وقت القياس

فنحن لو قسنا نظرة المجتمع المصرى للمرأة فى عصرنا الحالى على نظرته لها فى عصور مضت أو لو قسناها على نظرة مجتمع آخر مثل المجتمع السعودى مثلا .. لوجدنا تقدم هائل لا يمكن انكاره و يكفى للتدليل على هذا حقها - اللى وصلت له بطلوع الروح - فى العمل و عدم الاعتماد على الرجل فى كسب الرزق .. و لكننا عندما نقارن نظرتنا للمرأة بمجتمع آخر مثل المجتمع الفرنسى أو الأسبانى مثلا لشعرنا بمدى تخلف نظرتنا تلك

الخلاصة أننى أرى أن الدعوة للتحرر من القيود الفكرية و الاجتماعية و عدم الجمود و الدعوة للتقدم الانسانى - مهما وصفها دعاة التخلف بأنها ضد الدين و مبادؤه التى فرضوها علينا فرضا تعسفيا - فأنها لا تزال من صميم أهداف صحيح الدين الذى يسعى طوال الوقت لتحرير الانسان من عبادة العباد ( المجتمع و السلطة و المال و رجال الدين ) لعبادة رب العباد



أحمد بدوى
Post a Comment