Tuesday, February 2, 2010

الأوبانشيد - حكمة الهند الخالدة

كتاب "دين الإنسان" للكاتب فراس السواح يستعرض فكرة الدين كظاهرة انسانية بشكل علمى و يحاول الوصول فى فصول الكتاب الى ماهية الدين من عصور ما قبل التاريخ حتى الحاضر و يقارن بين أديان ما قبل الألوهة فى العصر الحجرى و أديان الثقافات المختلفة فى الشرق الأقصى - التاوية و البوذية و الهندوسية و الجاينية و الشرق الأوسط القديم و ديانة القبائل الأسترالية بوصفها أكثر الجماعات البشرية المعاصرة بدائية و الفكر الصوفى الاسلامى و يصل فى نهاية الكتاب إلى نظرية علمية جديدة عن سبب نشأة ظاهرة الدين لدى الانسان

و يذكر الكاتب فى بعض فصول الكتاب مقتطفات من الأقوال المأثورة أو الكتب المقدسة لبعض تلك الديانات و قد قمت بنقل جزء من الفصل الثالث و الذى يتحدث فيه عن الهندوسية و عن كتاب الأوبانشيد الهندى الذى يطلق عليه أيضا حكمة الهند الخالدة

الكتاب رائع للغاية و ملئ بالمعلومات العلمية و التاريخية و الفلسفية و أنا و إن كنت لم أصل بعد لنهايته عند كتابة هذه السطور الا أننى استمتعت و استفدت بكل سطر كتب فيه

و أنا و إن كنت لا أستطيع قراءة الكتب الإلكترونية و استعرت الكتاب من مكتبة د.أيمن نور الخاصة الا أنه يمكن الحصول على نسخة اليكترونية على هذا الرابط مباشرة
http://www.4shared.com/file/31906861/5428469e/__-__.html?s=1

و الذى مصدره جروب اتحاد العلمانيين العرب و التى يرجع اليهم الفضل فى تزكية هذا الكتاب فى المقام الأول
http://www.facebook.com/group.php?gid=25835846141#/group.php?v=info&gid=25835846141

و قد نقلت هذا الجزء مع وضع الكلام المنقول مباشرة من كتاب الأوبانشيد بخط ثقيل حتى يسهل فصله و قراءته وحده دون تعليقات و شروح الكاتب

==============================================


نقلا عن كتاب "دين الإنسان" لفراس السواح
ص 270

فى التصوف الإسلامى هناك تمييز بين نوعين من المعرفة , يطلق على الأول علم السطور و الثانى علم الصدور.

يؤخذ علم السطور عن الكتب و يكتسب بالدرس و التعلم و تحصيل المعلومات ,, أما علم الصدور فيجرى نقله عبر الأجيال من الشيخ إلى مريده دونما حاجة إلى رقاق و كراريس لأن هذا العلم مختزن فى صدور أهله لا يباح به الا لمن هو أهل لتلقيه . و هذا هو بالضبط ما تشير إليه تسمية الأوبانشيد , فالكلمة تعنى المعرفة القريبة , أى تلك التى يجرى تلقينها عن قرب من المعلم (=الغورو) إلى السالك فى طريق الإنعتاق

يعود الأوبانشيد إلى القرن الخامس قبل الميلاد , و هو يختتم الأسفار المقدسة التقليدية المعروفة بالفيدا و التى تشكل نخاع الهندوسية الكلاسيكية . و يتألف الكتاب من أحد عشرة سفرا صاغها حكماء متفرقون , و لكنها تنتظم فى سياق فكرى واحد ,, فهى تأملات عميقة فى النفس الكونية براهمان و فى النفس الإنسانية أتمان

و يطلق على كل سفر من هذه الأسفار إسم أوبانشيد مضافا إليه الإسم الخاص بالسفر , مثل كين أوبانشيد , إيش أوبانشيد . و رغم صغر هذا الكتاب مقارنة بأسفار الفيدا السابقة عليه إلا أن تأثيره على فكر الهند كان أقوى من تأثير أى كتاب آخر

تقوم تأملات الأوبانشيدات حول معرفة براهمان , الذى يقوم وراء الزمان و المكان و وراء كل المجالات التى يمكن لأفكارنا الإنسانية أن تجوس خلالها
.


أنه بلا هيئة , بلا شكل , بلا إسم , بلا خصائص أو صفات , إنه الحقيقة الوحيدة و ما عداه مجرد ظهور عابر , فكل ما نراه من أشكال وهيئات لا حصر لها أشبه بإنعكاس نور ألف شمس فى قطرة صغيرة من الندى ما تلبث أن تجف و تتلاشى

تقرأ فى كين أوبانشيد :


هو الذى لا تدركه الأبصار
و به تدرك الأبصار

هو الذى لا تسمعه الآذان
و به تسمع الآذان

هو الذى لا يوضحه كلام
و به يتضح الكلام

هو الذى لا تطاله العقول
و به تعقل العقول

هو المختلف عما نعرف
و هو المختلف عما لا نعرف

إنه براهمان
أعرفه فى صميم ذاتك
ولا تعبد أيا سواه

= = = = = = = =

لا أعتقد أنى أعرف عنه شيئا
ولا أعتقد أنى لا أعرف أيضا

لا يعقل أن يعرفه المرء
لا يعقل ألا يعرفه أيضا

من يدرك منى هذا القول
ربما عرفه قليلا

و الحكيم الذى يلمس حضوره أنى يتوجه
يجتاز بحار الوهم و يدخل الأبدية

(Ken Opaniahad 2)

و حول هذا المعنى يقول النفرى - المتصوف الإسلامى - فى "المواقف" : الجهل حجاب الرؤية, و العلم حجاب الرؤية . أنا الظاهر لا حجاب و أنا الباطن لا كشوف . و قال لى من عرف الحجاب أشرف على الكشف

عن هذا المجال القدسى الذى لا تلحقه الأسماء و الصفات و المدعو فى الأوبانشيدات "براهمان نرجونا" . أى المنزه عن الأسماء و الخصائص ,, ينشأ "براهمان ساجونا" أى ذو الخصائص و الأسماء

و يحقق براهمان هذه النقلة من الكمون إلى الظهور بالأسماء و الصفات بواسطة قوته (مايا) فينشأ عن براهمان ساجونا الطور الثالث للألوهة و هو قناع الإله الخالق هيرانيا جاربا أو الإبن البكر .

و عند هذا القناع تقف أفهام الناس الذين يتقدمون إليه بفروض العبادة و يقربون القرابين ,, إلا من أراد منهم إجتياز بحر الوهم و الدخول فى الأبدية

بعد معرفة براهمان عن طريق إختراق حجاب الإله الخالق إليه , يؤكد حكام الأوبانشيد على الفكرة الهامة الثانية , و هى أن النفس الإنسانية التى تبدو منعزلة فى الجسد المفرد ليست إلا قبسا من نفس براهمان الكلية و هذا هو معنى قول السيد المسيح فيما بعد : " أنا و الآب واحد , فمن رآنى رأى الآب" . و هو أيضا ما قصده الحلاج إبن منصور - المتصوف الإسلامى - عندما أنشد

أنا من أهوى و من أهوى أنا . نحن روحان حللنا بدنا
فإن أبصرتنى أبصرته و إذا أبصرته أبصرتنا

فبراهمان يقيم فى سويداء قلب الجسد الحى , و هو الذى يدفع من هناك الأنفاس شهيقا و زفيرا


هو رب اليوم و رب الغد
و لكن القلب الذى بحجم إصبع الإبهام
مقر له و مكان
من يعرفه فى صميم قلبه
لا يعرف الخوف ولا الأحزان
من سويداء القلب حيث يقيم
يدفع أنفاس الزفير خارجا و يجذب أنفاس الشهيق داخلا
و الحواس الخمس خدم له
فما الذى يبقى من هذا الكائن الإنسان
بعد أن ينقطع عن سيده الداخلى ؟

(Kath Opanishad ch2)



و المقصود بأن الحواس الخمس خدما له , هو أن براهمان , الذى يسكن النفس الحية, إنما يتملى جمال الخلق الذى صدر عنه بحواس خلقه .

فهو الخالق و الخلق و الصفة بينهما , المستمتع و المستمتع به و فعل الاستمتاع , كما سيقوله لنا مقطع آخر . فإذا انقطع هذا البدن عن سيده الداخلى و خميرته الحية لا يبقى منه سوى تلك النفس الخالدة التى تعود الى براهمان.

أما عن القلب الذى لا يتجاوز فى حجمه إصبع الإبهام و مع ذلك يتسع للمطلق , فيذكرنا بقول الشيخ محيى الدين بن عربى فى فصوص الحكم : "اللسان ترجمان الجنان .. و الجنان متسع الرحمن , و هو له بمنزلة المكان , فما وسع الرب إلا القلب )

و تتكرر فكرة المطلق الذى يبث نفسه فى خلقه بتنويعات مختلفة


الذى من أجل هناءته بخلقه
أودع نفسه فى كل كائن
و بعد تعرفه على حقيقة ذاته
حرر نفسه من كل القيود
هو السيد الكلى المعرفة
و هو النفس الغافلة الجاهلة
هو الرب و هو العبد
بالطبيعة غير المخلوقة تم هذا الخلق كله
و خلق المستمتع به و فعل الاستمتاع
فالحكيم الذى يعرف هذه الوجوه الثلاثة لبراهمان
يتحرر من كل قيد

(Svetasva Ta Opanishad 1)

فبراهمان يودع نفسه بما لا يحصى من الكائنات الحية , ثم يحرر نفسه من قيوده فى المادة عندما تتحرر الأرواح الحبيسة فى الأجساد . فهو المطلق بوجه , و بالوجه الآخر و بالوجه الآخر هو تلك النفوس الحبيسة فى الأجساد غافلة عن أصلها و مصدرها .

أما الطبيعة غير المخلوقة التى تم بواسطتها الخلق ,فهى طبيعة براهمان أو قوته , فهى غير مخلوقة أو مولودة لأنها كانت معه منذ الأزل . هذا يذكرنا بمطلع إنجيل يوحنا : " فى البدء كان الكلمة . و الكلمة كان عند الله , و كان الكلمة الله , هذا كان فى البدئ عند الله , كل شئ به كان و بغيره لم يكن شئ مما كان
"


و الإنسان ليس المجلى الوحيد لحقيقة براهمان , بل كل المظاهر الحية و الغير حية أيضا


أنت الفراشة و أنت النحلة
أنت الطير الزاهى الألوان
أنت السحاب المرعد المبرق
أنت الفصول يتبع بعضها بعضا
أنت المحيطات الزاخرة الهائجة
أنت الموجود بلا نهاية
و أنت الواحد
الذى ولدت منه كل هذى العوالم

( Avetasva Opanishad 4)

و يستعمل حكماء الأوبانشيد تعبير "ذلك هو هذا " أو " هو أنت " للتعبير عن تماثل الماهية بين الخالق و خلقه , بين الخلق و الحق


ذلك هو هذا
فكما يتطاير الشرر من النار المتأججة
كذلك تصدر كل هذه الكائنات المختلفة
عن الحقيقة الخالدة
ثم إليها يكون سعيهم و مآلهم

( Mundak Opanishad 2 )

كما يغزل العنكبوت خيوطا فى جسده
ليصنع منها نسجا ثم يستعيدها إليه
كما تنطلق النباتات من أديم الأرض
كما ينمو الشعر من بشرة الإنسان
كذلك يأتى الكون إلى الوجود
من براهمان الأبدى الذى لا ينقص

( Mundak Opanishad 1 )

أكبر من أى كبير نتصور
و أصغر حتى من ذرة الهباب
فأبحث عنه فى أعماق ذاتك
ليكن الأوبانشيد قوسك , و العقل سهمك
و الأحاسيس وترا لك
شد وترك و صوب نحو براهمان
هدفك الوحيد

( Mundak Opanishad 2 )

كما تفقد الأنهار الجارية أسمائها و أشكالها
لتنتهى فى المحيط الكبير
كذلك يترك الحكيم وراءه اسمه و شكله
و يذوب فى ذلك العظيم العظيم

( Mundak Opanishad 2 )

لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الكلماتلا تصل إليه بالأضحية و التكفير
بل بالمعرفة التى تجلو العقل
بتأملات العقل الصافى وحده
يتجلى لك براهمان فى كليته

( Mundak Opanishad 3 )

و المقصود بالعقل الصافى هنا , ليس العقل التحليلى , بل العقل بكليته بعد أن يتخلص من قدح زناد الفكر و إعمال الذهن , إنه اللافكر الذى بشرت به التاوية كطريق للعرفان
Post a Comment