Monday, July 16, 2012

الاسكافي العاشق


ظل شهرا هناك في قريتها ينتظر حتى يراها ليعطيها الخاتم الذي أوصى لها به والده قبل وفاته ، كانت ترفض مقابلته رغم إلحاحه ولم تخرج من كوخها الصغير ولم يكن يمتلك من أمره شيئا ، فرغم ود أهل القرية الظاهر في التعامل معه إلا أنه لم يكن ليجرؤ على اقتحام الكوخ أو حتى الوقوف أمامه مدة طويلة حتى لا يثير حفيظتهم

ظل شهر يحاول أن يجد من يقنعها برؤيته ليسلمها الخاتم ولم يقنعها أحد , عنيدة هي كوالدتها ، تذكر والده وهو يقص عليه كيف أحب والدتها وكيف سامته سوء العذاب لعنادها وقوة شخصيتها ، تذكر ابتسامة والده العجوز وفخره وهو يحكي منتشيا كيف ظل أياما وليالي ينتظر قرارها بقبوله زوجا حتى كاد ييأس وتزهق روحه العاشقة ، فرغم أنه لم يلتقيها إلا مرة واحدة عند الشجرة الضخمة التي تتوسط القريتين ويتبارك بها أهلهما إلا أنه ظل يحبها ويخلص لها حتى وفاته

لم تقبله زوجا ، وكاد والده أن يقتل نفسه ، يحكي له ذلك منتشيا ، لو كنت قتلت نفسي في ذلك الوقت لما رأيت أنت نفسك النور يابني ، وأنت الآن مدين لي ، فإذهب بهذا الخاتم إلى ابنتها ، لاترحل ولا تيأس حتى تعطيه إياها ، يابني ،لقد عشت عمري كله أتساءل عما كان سيحدث لو أنها قابلتني مرة واحدة أخرى بدلا من رفضي دون مقابلة ، لقد غضبت ، يابني ، لما أبلغوني رفضها وقررت ، في لحظة غضب ، ألا أحاول رؤيتها مرة أخرى للأبد ولكن ظلت تلك المقابلة الأولى محفورة في قلبي كنقوش حكيم القرية الأعظم على الطوطم الأول

الآن يابني عليك عبور ضفة النهر والذهاب إلى قريتها وإعطاء ابنتها ذلك الخاتم لعل روحي وروحها تلتقيان مرة أخيرة في عالم الأجداد ، الآن عليك يابني أن تهديني الراحة الأخيرة وأن تنفذ ما لم تمكنني كرامتي من تنفيذه ، إعطها الخاتم بنفسك واسمع منها يابني ، لعل روحي تهدأ بعد أعوام طويلة من القلق والحيرة

تذكر ذلك الحوار الأخير بينه وبين والده وهو على وشك اليأس والمغادرة فهداه تفكيره إلى أن أعلن لمستقبليه من أهل القرية أنه قد يأس من مقابلتها وأنه عازم على العودة لقريته ليتزوج فتاته التي أحب , أخبرهم أن وصية والده يمكنها أن تنتظر أعواما أخرى وأن القلق والحيرة الذان عانى منهما في حياته يمكنها أن يستمرا معه بعد موته

جمع حاجياته فوق ظهر بغل يستأجرونه للطواف بين القريتين ، بغلا تعود لطول تكرار أن يقف عند الشجرة المبروكة ، وفي اليوم الثاني أفتقده أهل قريتها وتلاسنوا عن رحيله مساء إلى قريته ليتزوج فتاته ، لام البعض عليه أنه لم ينفذ وصية والده , ولام البعض عليه أنه فكر في تنفيذ وصية خرقاء مثل تلك ، وضحك البعض على ذكرى الوالد المشتاق وتذكروا كيف أشتهر في قريتهم عندما كانوا أطفال بالمجذوب وكيف كان عشقه بداية خباله حتى عاد إلى قريته دون أن ينال مراده منها , تلاسنت النساء العجائز في فرحة مكتومة عن رحيله دون أن يتزوجها ، وكيف كان وجوده طيلة أسابيع من أجلها أمرا خارج المألوف , قالت احداهن ، وكانت صديقتها ،أن وجوده أوغر صدور نساء القرية ضده وضدها فعملوا على التفريق بينهما والسخرية منه بالذات وأن النساء هن اللاتي أطلقن عليه لقب المجذوب بعد أن عرضت أكثر من واحدة منهم نفسها عليه ،سرا ، بديلا عمن أحب فزهدهن جميعا ، وقالت أن الفرحة لم تظهر على نساء القرية إلا بعد يأسه ورحيله دون ان ينال ماأراد

خرجت ابنتها أخيرا من كوخها الصغير ، كانت شاحبة اللون بعد أيام من الحصار بعيدا عن الشمس ، تذكرت وعدها لوالدتها بألا تقابل أى شخص يقوم بإرساله تحت أى ظرف ، لم تفهم يوما كيف كانت والدتها تعلم بأنه سيرسل من يحاول مقابلتها , لم تفهم يوما ذلك الخليط من الحنين والغضب في عينا والدتها العجوزتين وهي تتحدث عنه تارة بلا مبالاة وتارة أخرى باللعن كأنه عدو وصديق في آن واحد

نفذت ماطلبته منها والدتها رغم عدم فهمها له ورفضت الخروج من كوخها منذ علمت بأنه أرسل ولده ليقابلها بعد وفاته، ظلت أيام في كوخها لا تخرج عالمة أنه يحوم حول الكوخ يطلب مقابلتها

تعجبت من أمر والدتها وتذكرت حكايات عمتها الغاضبة عنها ، كانت عمتها تكرهها مرتين ، مرة لإنها تزوجت أخاها الأثير لديها ومرة لإنها لم تكن تحبه بما يكفي وظلت تعامله بشكل رسمي منذ تزوجا حتى مات بعدها بسنوات , كانت عمتها حانقة دوما واتهمتها كثيرا بأنها منحت قلبها للشيطان، الشيطان الذي عاد إلى قريته بعد أن ظل أسابيع يحاول أن يراها مرة ثانية دون جدوى

تذكرت كيف صارحتها عمتها مرة واحدة كيف أنها حسدتها لإنها أحبت ذلك الشيطان , فالحب أمر مستحيل تقريبا في تلك القرية ، وتذكرت كيف ظهرت الشماتة في صوت عمتها مرة لأن أمها لم تقابله ولم تتزوج به ثم كيف ظهرت الحيرة مرة أخرى على وجهها عندما سألتها عن سبب رفضها لمقابلته ، تتذكر جيدا قول عمتها ، لا أحد يعلم يابنيتي لم رفضت مقابلته تلك المرة الأخيرة ،صدقيني أننا جميعا لم نفهم ولا أظنه هو نفسه أو حتى هي نفسها تفهم سبب ذلك الرفض ، لم تكن أمك حمقاء يابنيتي ، وكنت أحسدها كثيرا رغم أنها لم تكن أجمل فتيات القرية أو أكثرهم مالا ، إلا أنني أشهد بأنها لم تكن حمقاء

كانت تلك الكلمات تدور في ذهنها عندما ظهر فجأة أمامها بدون مقدمات ، كان قد ترك متاعه يرحل على ظهر البغل وأختبأ تحت الجسر القديم الذي ربما كان يستخدم أيام زار والده تلك القرية أول مرة , حتى إذا ما رآها تخرج قفز أمامها مصمما على أن يتم ما لم يتمه والده من قبل

وقف أمامها وقال أنا ابن الاسكافي الذي أشاعت قريتكم عنه أنه مجذوب ،وأشهد ويشهد أهل قريتي ، حسنا ، على الأقل أصدقائه , أو فلنقل أصدقائه المقربين فقط أنه لم يكن مجذوبا ولكنه كان محبا صادقا ، أحب والدتك وظل طوال عمره يعيش بين الندم لأنه لم يتزوجها والحيرة لإنه لم يفهم أبدا سبب رفضها له

قالت في مزيج عجيب من الغضب والارتياح والمفاجأة ، أعلم عنك وعن أبيك , بسببه لم يشعر أبي بالارتياح حتى وفاته ، لم تقصر والدتي في حقه يوما بل ولم تترك قبره دون زيارة أسبوعا واحدا حتى لحقت به ، ولكنه لم يشعر أبدا بالإرتياح ، كانت هناك نظرة حزن لن أنساها في عينيه , كان يشعر بالغيرة من والدك رغم أنه لم يكن موجودا أبدا ولم يلتقي به إلا مرة واحدة قبل أن يرحل بيوم واحد عن قريتنا ، لقد أحب والدي والدتي بعد رحيل والدك عن قريتنا ، رغب حقا في اسعادها , لكن تلك الجذوة في قلبها لم تنطفئ ، تلك الجذوة التي أرهقته طوال عمره

والدك الملعون كان مصدر تلك الجذوة

قال بإرتباك وتصميم ، لم يكن لوالدي ذنب ، أحب والدتك حتى الجنون , وكانت الحيرة سبب خلل عقله , لم يفهم يوما لم تركته !

قالت ، لم يفهم أحد ذلك يوما ، بل أنني أشك انها هي نفسها تفهم! أقول لك الحق أنني لم أجرؤ على سؤالها عن ذلك ،، لم أجرؤ إلا مرة واحدة وصدمني أن رأيت دموعا حبيسة في أعينها ، كانت قد صارت عجوزة وصار لي أطفال وقتها , لم تخبرني رغم ذلك عن السبب وقالت كلاما مبهما عن القدر الذي جمعهم صدفة عند الشجرة المبروكة وفرقهم بعد ذلك في قريتنا

قال : لم يكن والدي مجنونا , بل عاشقا , والعشق أشد خبالا من الجنون

قالت : ولم تكن والدتي شريرة أبدا ، عاملت أبي بما يمليه الواجب حتى بعد وفاته بسنوات ، لم تقصر في حقه أبدا ، صحيح أنها لم تعطيه أبدا ذلك الدفء الذي طالما تحدث عنه كاذبا ,إلا أن ذلك لم يكن بيدها

-
أعطته لأبي مرة، لذلك جن بعشقها, لذلك أرسلني بذلك الخاتم بعد وفاته وأوصاني أن أعطيها إياه

-
أنت ووالدك حمقى ، لو كان فعلها حيا لكان أسعدها , ولكن ما الفائدة الآن؟

-
أبي كان عاشقا ، نصف مخبول ، لكنه لم يستطع أن يواجه نفس الرفض مرتين ، لم يزر قريتكم منذ تركها

-
ومع ذلك لم ينساه الناس في قريتنا

-
لم يعلم أبدا سبب رفضها له وكان ذلك سبب جنونه ، كان اسكافيا فصار فنانا يجعل من أحذية أهل القرية أعاجيب مبهجة ، ذاعت شهرته بين القرى ، تزوج والدتي وظلت تكرهه حتى عادت لقريتها , قالت عنه أنه مخبول بالأخرى ، الأخرى التي كرهتها حتى النخاع دون أن تراها

-
والدك مسكين

-
بل كان سعيدا في عمله ، بشكل ما ، حتى عندما اتته المنية أمرني أن أحضر ذلك الخاتم لكي بالنيابة عنه لتقبليه بالنيابة عنها

-
والدك ظل مجنونا حتى وفاته!

-
بل مخلص ، لقد كان يظن أنك لو قبلتي الخاتم بالنيابة عنها لتزوجها في السماء ولذلك أرسلني

-
أتيت متأخرا ، منعته كرامته الحمقاء من أن يصبر يوما آخر ففقدها للأبد

-
وما أدراكي؟ هل أخبرتك هي بذلك؟

-
لا أدري عن يقين , فقط أعتقد أنها أرادت يوما آخر من الانتظار , من الصبر ، بخل عليها بيوم واحد ففقدها عمره كله ، أختار كرامته ، فليهنأ بها، وليترك والدتي في سلام

-
حتى أنتي لا تدرين ماأرادت هي ، وأظنها هي نفسها لم تدرك ماتريد ، فكيف يمكن لقلب مجنون مثله أن يحتمل؟

ظل يطوف بقريتك ، صبورا فرحا في البداية ثم نما اليأس في قلبه , فتولد عن يأسه غضب أعماه عن حبه ، رحل ولم يمكنه أن ينسى الرحلة ، وظل حتى وفاته في حيرة ,

هل تعلمين؟ أنني أعتقد أنه أرسلني بالخاتم لينهي حيرته التي أصابت عقله بالخبل ، أراد أن يتأكد ولآخر مرة من أنه كان على خطأ بالرحيل وأنها احبته ,, حقيقة لا أدري ما الذي كان يفكر فيه!

-
حسنا ، لقد أوصتني والدتي بألا أقابلك ، لا أعلم كيف علمت بأنه سوف يرسل شخصا ما ليقابلني ، هي لم تره بعد رحيله عن قريتنا أبدا ولا أفهم كيف علمت بأن ذلك سيحدث , لكنني منذ علمت بقدومك إلى قريتنا حتى أصابني الرعب وألتزمت كوخي , أما وأنني قد خالفت وصيتها وقابلتك - أحيانا أظن أنني قد فعلت ذلك عن عمد - فأنني أقبل ما أرسله العاشق المخبول لها

ربما كان في ذلك خلاصا لروحيهما ، لا أدري حقا ما إذا كان ذلك حقيقة أم لا ، كانت هي لا تؤمن بتلك الأشياء وأخبرتني أنها لا تعتقد بشكل حقيقي أننا سنلتقي يوما بعد رحيلنا عن ذلك العالم ولكنني سأقبل هديته لعله خير

-
ذلك الخاتم , تفضلي , صنعه بنفسه قبل أن يأتي إلى قريتكم ليقابلها مرة أخرى بعد مقابلة الشجرة المبروكة وأراد أن يعطيها إياه وظل حتى وفاته محتفظا به بجانب حيرته , رحم الله أبي , رحم الله العاشق

-
رحم الله والدتي ، هل تظن أنهما الآن يلتقيان في السماء؟

-
لا أدري حقا

-
ولا أنا كذلك

-
إذا فلنتركهما لمصيرهما ولنعود لمصيرنا ،، الوداع

-
الوداع
Post a Comment