Sunday, October 24, 2010

في رفض قدسية النصوص المقدسة

عندما يقول أحد الرافضين للاحتكام للنصوص الدينية (كالقرآن والانجيل والأحاديث) في شئون الحياة العامة بأن النصوص المقدسة لاتصلح للتحاكم في المجتمعات الحديثة وأنها علي وجهها الظاهر تدفع للتطرف والعنف وعدم احترام الآخر بل وإقصائه وعدم احترام الحريات الفردية وعدم احترام المرأة .. إلخ من قيم الحداثة وأنه هكذا - علي هذا الشكل المعادي للحداثة والحريات - فهمت الغالبية العظمي من المتفقهين ورجال الدين النصوص وهكذا عملت بها الجماهير العريضة واستخدمتها في تبرير جرائمها ضد الأقليات

يكون الرد دائما أن النصوص المقدسة لايمكن الشك في صحتها وإنما يكون الخطأ في التطبيق أوالفهم أو كليهما

وهنا نكون أمام عدد من الاحتمالات

فإما أن النص بالفعل يدعو لكل ماسبق من عدم احترام للآخر وعدم احترام الحقوق الفردية وعدم احترام العلم ، وهو ما فهمه ويدعو إليه بالفعل معظم المتعاملين مع النص والمحتكمين إليه والمتحكمين به

وهنا كثرة الأسماء تعجزنا عن الحصر مابين سلفيين وأخوان وأرثوذكس وشيعة وانجيليين و و

وإما أن النص المقدس صحيح ويدعو إلي عكس ما فهمته الأغلبية من المتحلقين حوله والمحتمين به

وتكون المشكلة في عدم فهم الناس له - علي اختلاف درجات قربهم منه - فهنا تظهر اشكالية أن النص معقد لدرجة أننا لا نجد في معظم المتعاملين به ومعه من يفهمه علي وجهه الصحيح - نقصد الوجه المتسامح الداعي للحرية والمساواة - واذا فهو نص يحتاج دائما لوسطاء من نوع خاص علي درجة عالية من الخلق والتسامح والعزة والرحمة - لو توفروا أصلا لأكتفينا بهم حكاما وحكماء ولما احتجنا إلي نص - لكي يفهموه ويفسروه للناس كما ينبغي

وهنا نقول وبوضوح أن نص بهذا الشكل عجز عن أن يكون بسيطا وواضحا في الدعوة للتسامح والحرية وغيرها من القيم الانسانية بشكل واضح وصريح ، هنا هو علي أفضل تقدير نص يختلف ظاهره عن باطنه ونحتاج لأن نقوم بعرضه علي القيم الانسانية المحترمة حتي نؤوله بما يتناسب معها لا أن نعرض تصرفاتنا وقراراتنا عليه

يقال أيضا أن المشكلة ليست في النص وظاهره وفهمه ، إنما المشكلة في قيام أولئك القائمين علي تفسيره وشرحه للناس بإختطاف النص وتأويله كما يناسب أهوائهم ومصالحهم ووجهات نظرهم وظروف مجتمعاتهم , لا يختلف في ذلك الذي يرضي نهم السلطة السياسية لإستغلال النص في قمع الحريات مثلما يفعل رجال الأزهر والكنيسة أو الذي يرضي شهوة الناس للمزيد من التطرف وكراهية الآخر مثل شيوخ وقساوسة الفضائيات

والسؤال هنا والذي دفعني لكتابة هذا المقال
كيف لنصوص عجزت أن تحمي نفسها من أن يجعلها البعض مطية لأغراضه وأهدافه أو لأغراض غيره أن تدعي أنها قادرة علي أن تحمي البشر من زلاتهم وأخطائهم وهي لم تحمي نفسها من أن تُستغل؟

هل لم يعلم الله بأنها سوف تستغل في المستقبل ؟
أم علم وعجز عن أن يحصنها ضد الاستغلال ؟
أم علم وتركها عرضة لذلك كنوع من الاختبار ؟

لو أنه لم يعلم فهذا انتقاص من علمه الكامل
ولو أنه عجز عن تحصينها فهذا انتقاص من قدرته الكاملة
ولو أنه علم ولم يعجز وترك فيها ما يمِّكن المخربين أو المتعصبين من استغلالها , فبغض النظر عما يخلعه هذا عليه من صفات الا أنه يعني بوضوح عدم قابلية هذه النصوص للاحتكام إليها بشكل يرضي ضمير أى عاقل إلا أن يعلم أنه هو الذي يطوعها لما يراه خيرا ولا يخضع لها في حقيقتها

وأنا أرى أنه رغم نبل مقصد مثل هذا الشخص الذي يحاول أن يطوع النصوص طوال الوقت لصالح ما يراه نافعا للبشرية من قيم كالحرية والتسامح والرحمة ويتغاضى عن نصوص أخرى تدعو للعنف وكبت الحريات ورفض الآخر إلا أنني لا أستطيع أن أقبل أن ألعب هذا الدور الذي يرى نصف الحقيقة - عن عمد - لسببين

الأول نفسي , فأنا أفضل أن يكون الانسان صريحا مع نفسه - على الأقل - قدر المستطاع ويعترف أمام نفسه أنه انما يختار من النصوص ما يناسب قيمه ولا يخضع للنص بشكل حقيقي

فأرجوك اذا قمت بإختيار نصوص تدعم وجهة نظرك مع علمك بوجود نصوص أخرى تخالفها وتساويها في الدرجة فإعلم - أمام نفسك على الأقل - أنك لا تختلف عن الآخر الذي يختار النصوص الأخرى التي تدعم وجهة نظره المخالفة لك وأن كلاكما يطوع النص لأغراضه وأن النص لا ارادة له

والثاني نفعي , فإن مجرد اعلان الخضوع للنص مع محاولات تأويله يضعك في قفص واحد مع من هم أكثر خبرة منك بالتلاعب بالنصوص واستخدامها في بث بذور الجهل والتعصب وأنت كمن يستخدم أنيابه لا عقله أمام ذئب متوحش

فأنت ان قلت لكم دينكم ولي دين و لتجدن أقربهم مودة .. فستجد الآخر يقول لك ومن لم يحكم بما أنزل الله و لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة ومن يتولهم منكم فإنه منهم ,,, الخ

وانت ان كنت من أولئك القائلين بأن ترك النصوص خسارة في معركة الجدل أمام العامة لأنهم وقتها يوصمونك بترك الدين ويميلون لأولئك الذين يستخدمون النصوص في كلامهم بداعي وبلا داعي , فإعلم أن نفس العامة الحمقى يوصمونك بالتفريط لو استخدمت نصوص تدعوهم للتسامح ونشر الحريات ويقدسون أولئك الذين يخادعوهم ويطلبون منهم ما لا يطيقون ظنا منهم أنهم بهذا يتقربون الى الله

كما أنك لا محالة مصطدم بنصوص قطعية تتعارض مع مبتغاك من الحرية شئت أم أبيت وتضعك في موقف الأضعف لو ناقشت قضايا متقدمة عن زمانك كما ينبغي لأى مفكر حقيقي

وأعلم أن كل ما يقبله المجتمع الآن كان يرفضه من قبل بحجية نفس النصوص ذاتها وأنه انما قد تناسى تلك الحجية بعد أن صار الأمر الواقع أقوى من النصوص ... فهاهم نفس الشيوخ الذين كانوا يحرمون التصوير يطلون عليا من شاشات التلفزيون وقل مثل ذلك في قضايا الخلع وعمل المرأة وغيرها

وأعلم أن التقدم واقع واقع والحريات واجبة وأن كل ما يفعله أهل التأخر هو أن يؤخروا ذلك قليلا ويشغلوا عقولنا بجدالات انتهت من مئات السنين بينما لا يجب علينا أن نحمل أنفسنا مالا نطيق ولا أن نتحمل مسئولية تفهيم كل من يرفض الفهم وانما واجبنا أن نشارك في دفع المجتمع نحو المزيد من الحرية والمزيد من قبول الآخر والمزيد من استخدام العقل

لذلك فمن وجهة نظر نفعية بحتة يجب عليك أن ترفض أن يكون النص المقدس أداة حوار أصلا وإنما يكون الحوار بين عقل وعقل لا بين عقل وميكروفون أو شريط كاسيت يردد ما يحفظه بدون أن يفهم ما تقول أو ما يقول هو نفسه

Post a Comment