Wednesday, June 27, 2012

سور الجنون الزجاجي

فقط لو أنك تستطيع عبور مرآة الخوف من نفسك والعالم تجد في الناحية الأخرى جنة لم تخطر على قلبك من قبل

يمكنك أن تظل مشغولا دائما بشئ ما - ليس بالضرورة ان يكون شيئا سخيفا - فقط حتى لا تدع فرصة لتلك الأشباح أن تظهر وسط الأحياء من جديد

دع لقلبك العنان - حاول أن تتغلب على الصعاب والقيود - أتحدث عن القيود المادية - يمكنك أن تتغلب عليها لو كان عقلك قويا بشكل ما - شكل يمكنه من تجاوز الواقع لخلق عوالم أخرى غير واقعية - خيالية - نعم نحتاج الكثير من الخيال لنتغلب على قيود الواقع - سنصبح غريبي الأطوار لكن أن تكون غريبا أفضل من أن تكون كتلة متكررة من آخرين ولو كانت كتلة متناسقة وجميلة - التشابه لا يضر ولكن التطابق والتكرار يجعل الحياة جحيما - تتمنى معه لو لم تكن حيا - التماثل للتماثيل غير الحية وليس للأحياء

دع لقلبك العنان ليحلق وراء أسوار المنطق والمفروض والضروري - قد يؤدي بك هذا إلى الجنون التام - من قال أن الجنون سئ ؟ من قال أن فقدان العقل أمر حزين ؟ من قال أن الجنون هو فقدان العقل ؟ 

أظن الجنون - بل أؤمن - بأن الجنون هو درجة أعلى من الوعى - درجة لا يصل إليها العقل الطبيعي البشري - لا أتحدث بالطبع عن كل أنواع الجنون - بعض أنواع الجنون لا تتعدى أن تكون خطأ مادي في تركيبة المخ البشري - أتحدث عن ذلك الجنون النبيل الذي تصل إليه عندما تعبر تلك الأسوار المسنونة التي تحاول أن تحبسك في حدود ما يراه الآخرون

عندما تعبر سور المألوف الخشبي ثم سور المرفوض المعدني ثم تمر بصحراء الوحدة القاسية الموحشة ثم تصل إلى واحة الراحة الذاتية أو تضل طريقك في متاهات النفس المتشابكة الأشجار - ثم تجد في النهاية ذلك الحائط - الأصعب من بين كل الحواجز - الحائط الزجاجي الذي ترى عبره - ترى أشكالا متغيرة - أحيانا ألسنة لهب وأحيانا حسناوات رشيقات - ذلك الحائط الزجاجي صلب كالماس - لا يمكنك أن تتسلقه - البعض يفلحون في ذلك - وإن أفلحوا يستطيعون عبوره من الناحيتين - أولئك هم من نسميهم بالعباقرة - الذين زاروا وادي عبقر - الذي تعيش في الجن - ثم عادوا - أولئك يعبرون الشعرة التي تفصل بين الجنون والعبقرية ثم يعودون

في المعتاد لا يمكن تسلق الحائط الزجاجي - أنت اما تستسلم لمهابته وروعة ماخلفه وتقف أمامه مشدوها متهيبا ولا تحاول عبوره - واما تنصرف لتعود لحياتك العادية وترضى بالبقاء في أحد الأماكن التي عبرتها من قبل حتى تصل إلى الحائط

واما تقرر أن تحطمه لتعبره - تقبل المخاطرة إن كنت شجاعا بما يكفي أوتستكين وتعود لأحدى المتاهات السابقة - السور الخشبي - السور المعدني - الصحراء - 

لا أدري حقا ما ستجده في الجانب الآخر لو قررت تحطيم السور الزجاجي ! لو أنك تسلقته ثم عدت لحكيت لنا ما ستجده - الكثيرون - على مر التاريخ - عبروا وعادوا - كانوا نوابغ زمانهم

أحيانا كان السور الزجاجي القاسي يدميهم فيعودون مجروحين مكسورين وأحيانا أخرى كانوا يبقون هناك أكثر من اللازم فينبذهم الناس ويخشونهم و أحيانا أخرى كان البعض من الذكاء والقوة بأن يعبر لفترة بسيطة - لا يتوغل كثيرا في تلك المساحة خلف السور الزجاجي - فقط يمشي عدة خطوات ثم يقفز ليعود سريعا لعالمنا - يصف لنا تلك الخطوات القليلة فنرفعه فوق أعناق المجد والعظمة ,, غالبا يتحول أولئك مع الوقت إلى محترفين للقفز فوق السور ذهابا وايابا .. أولئك يكتشفون في النهاية - إن لم يكونوا يتعمدون ذلك في البداية - أنهم لا يعبرون سورا زجاجيا حقيقيا وإنما هو محض خيال وهمي - ربما هم عبروه مرة ثم عادوا ثم ضاعت خريطتهم فظنوا أنهم يعبرونه كل مرة وهم فقط يتوهمون عبوره - نراهم في لحظة ما يضيقون ذرعا بالحياة امام السور ويتشوقون لعبوره مرة واحدة قبل فراق الحياة بالكامل لكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه

أوئك الذين يحطمون السور الزجاجي يرتكبون اثما لا يمحى - فهم يخلطون بين العالمين ولا يمكنهم بعد ذلك أن يعلموا الحدود بينهما

كم هو أمر محبط أن ترى شخصا وقد مسه الخبل فأصبح يطوف بين العالمين - هو في الحقيقة قد جعلهما عالما واحدا - لا يدري ماهو الخيال وماهو الواقع - أولئك تشعر نحوهم بالشفقة - فهم لم يدركوا عالما بعينه بل أصبحوا أشباحا يائسة

العقول القوية هي فقط من تعبر للجانب الآخر دون أن تنظر ورائها لحظة واحدة - لا تعود للانتماء لذلك العالم - بل تسكن في عالم ما وراء السور الزجاجي - عالم ما وراء المرآة - عالم الجنون المطلق - نحن فقط بعقولنا القاصرة نرى أن هذا جنونا لأننا لا نستوعب ماهنالك 

أحيانا نتمنى لو كنا معهم ,, كالطفل الذي يخبئ صورة أنثى عارية في كراسته - يتمنى لو كانت الصورة حقيقية ولا يدري لماذا يتمنى ذلك لأنه من الأصل لأنه لا يفهم ماسبب أن عريها اصبح محرما -

نحن كذلك , نقف أمام السور الزجاجي- غالبا في الصحراء الموحشة - نتمنى لو كنا خلفه - معهم - في ذلك العالم الذي لا نفهم كنهه - ولكننا لا نجرؤ على عبور السور الزجاجي الجارح
Post a Comment